تمهـيـد
أثارت نزعات العنف وما صاحبها من اختلالات عقابية عدة ردود أفعال متباينة بحسب المواقف. وبالرغم من اختلاف تلك المواقف فإنّها تكاد تلتقي في نفس الأهداف، وتتفق حول رفض ظاهرة العنف وآثارها ووجوب التّسريع في البحث عن الحلول للحد من أخطارها. ولا يتنافى انسجام الغايات من إصلاح فساد العيش في المدينة الإسلاميّة مع تباين الرؤى والمواقف والاتّجاهات الدّاعية إلى سياسة بديلة عن السائد. فاختلاف المناهج يؤدي إلى التفاوت في التصورات والأهداف، فمن موقف يدعو إلى إعادة الاعتبار إلى الهامش وضبط حركته ضمن المركز، إلى موقف ثان يدعو إلى إصلاح السائس، وموقف ثالث ينادي بمدينة مغايرة انطلاقا من القول الفلسفي بالمدن الفاضلة. وموقف آخر يدعو إلى تطبيق الشريعة، أو ضبط الدولة حسب الدين أو "تحويل الشريعة إلى قانون"[1]، وهو قول يستلزم استيعاب الشريعة في التاريخ واحتواء الخلافات ضمن تيارات تشكّل كلا متنوعا محكوما بروح الثقافة الإسلامية والقوانين الفقهية. وكان الوعي بضرورة إصلاح المدينة وأساليب الحياة المشتركة وإعادة توزيع "الرأسمال السلطوي" أمرا ملحّا في تلك الحقبة، خصوصا بعد أن أدّى التطوّر التاريخيّ إلى "تحول الخلافة من سلطة سياسية فعلية إلى رمز دينيّ تنحصر مهامّها في تولية السلطة لمن يستولي عليها بالقهر"[2]، وأصبحت الدولة السلطانية تمارس السلطتين الزمنية والدينيّة مما أدّى إلى ظهور التمايز الوظيفيّ بين الخلافة والدولة السلطانية وأرباب السيف وأرباب القلم والعلم، ويقابله تمييز بين حكم الشريعة وحكم السياسة. ثم قاد ذلك إلى تقلّص سلطة الفقهاء، فضلا عن تهميش دور الرعية وانتشار العنف، فـ" لئن كان مسجّلا في الطبيعة الإنسانية، فإننا يمكن التفكير في أنّ إزالته تمثل رهانا من بين رهانات الثقافة"[3]. ويعدّ انتشاره وجها من وجوه الفوضى يستدعي النظر والتبصّر. فقد أدرك أصحاب النّظر أنّ الوهن والضّعف عندما يصيبان السلطة فإنّهما يؤديان إلى الاضطراب، فكانوا مضطرين إلى صياغة أشكال جديدة ومفاهيم بديلة واقتراح نماذج مدينيّة بديلة. ولعل ذلك يعكس أهمية المدينة باعتبارها "مركز الاستقطاب في المجتمع المركز الذي تدور فيه وحوله الحياة الثقافية والاقتصادية، فالمجتمع يتكثّف وجوده في المدينة فمن الطبيعيّ أن تتبلور فيها صورة المجتمع عن نفسه، وأن تتكون فيها مثله العليا"[4].
فالمدينة تعكس النظم الأخلاقية بسبب أن الأخلاق لا تدرك إلا ضمن الحيّز المجتمعي وضمن الاشتراك مع الآخرين. وبهذا تتحول إلى نموذج أعلى لبقية المجتمع بما هي مجال للتبادل الاقتصادي والفكري، أو مجال توزيع "الرأسمال الماديّ " و" الرأسمال الرمزيّ ".
وقد تنوعت نزعات الإصلاح بحسب تصوّراتها للمدينة وأنظمتها السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصادية فاختلفت الإشكاليات بحسب التيارات الفكرية، لذلك رأى رضوان السّيد أنّ "إشكالية الآداب السلطانية: كيفية استمرار السلطة واستقرارها، وإشكالية الفلاسفة: كيف يكون التدبير عقلانيّا أي حكيما، وإشكالية المتكلمين: كيف تتحقق عقائديا السلطة وسلامتها الدينية."[5]
ولم يكن البحث في شرعيّة السلطة القائمة فقط مدار اهتمام العديد من الكتاب والفقهاء والفلاسفة، مع وجود بعض الاستثناءات، فقد رأى الغزالي "أنّ شرعيّة السلطة المستمدة من النسب لا ينبغي أن يعفيها من إقامة العدل بين الناس، ومراعاة حقوق الله وعباده في الأرض"[6]، فانتقل من الدفاع عن الشرعيّة إلى مساءلتها عن عدلها، واعتبرها المسؤولة الأولى عن أحوال العباد.
ولم يكتف أهل الأدب بصحبة السلطان والتبرير له بقدر ما صاغوا مواقف تدين فعل السلطة. فتجاوزوا واقع تبرير السّائد بهدف تثبيته إلى الرفض والإدانة، وهي مواقف تخالط المعنى التاريخي العام الذي يضفيه المؤلّف على الحدث المنقول. كما اعتمد المثقفون أدب النصائح منادين بضرورة إصلاح الواقع فأصّلوا قواعد التّدبير السياسي، ومن ذلك قول الجاحظ أن:" الرغبة والرهبة أصلا كل تدبير، وعليهما مدار كل سياسة عظمت أو صغرت"[7]. وعلى الحاكم أن يتوخّى الاعتدال في الحكم بأن يجعل "العدل والنّصفة في الثواب والعقاب حاكما بينه وبين إخوانه."[8] ومن ثمّ يلاحظ المتأمل في المواقف الرّافضة للظلم والاعتداء تغيّر علاقة المثقف بالسلطان من فعل التشريع إلى مستوى التّذكير بما تستدعيه سياسة الملّة من مهام أجلّها حماية الرعيّة ونشر العدل فيها. فيتحول منصب الحكم إلى منصب محفوف بالمطالب التي من أهمّها ضرورة مراعاة حقوق المحكومين. ويتماشى المطلب الإصلاحي مع النزعة إلى كتابة تاريخ محسوس يهدف إلى نقد الواقع قصد تغييره أكثر من النظر العقلي أو التأمل الفلسفي. ويمثل مسكويه نموذجا لهذا المنحى في الكتابة من خلال الدعوة إلى إصلاح المجتمع والمنظومة الأخلاقية، أو ما عبّر عنه أبو يعرب المرزوقي بـ" إصلاح العقل"[9]. وتتماشى هذه الدّعوة مع موجة الرّفض في أوساط المثقفين للسائد، وما المصادرات والمغارم إلا شواهد تشير إلى سوء التدبير وغياب المشروع الجماعي للأمة، وهو ما يستدعي تجاوز السّائد وتغييره. وتمر هذه المواقف من الوعي بتردي الواقع إلى اقتراح البدائل ثم تحديد العلاج.
1- حدّة الوعي بفساد الواقع التاريخي لدى التّوحيدي
تستدعي دراسة العنف عدة أبعاد تشريعيّة وعقابية وسياسية واقتصادية، فالظاهرة جزء من واقع شامل يستوجب التغيير والاستبدال. ولا يمكن الخروج من الأزمة إلا بتفكيك الواقع التاريخي الموضوعي ومقاربته مقاربة محايدة تهدف إلى تفسيره وتغييره ولا تكتفي بتأمّله. وكان وعي المؤرخين بفساد السياسة دافعا لنقد سياسة الدولة التي كانت تشجّع سياسة الإقطاع العسكري[10]. وهو ما أدى إلى تزايد الفقر وغلاء المعيشة وإحداث جبايات ورسوم جديدة [11]، فكثرت الفتن[12]. كما ساد الوعي لدى المؤرخين باقتران ذهاب دولة الخلافة مع تردّي الوضع بعد وهن أمرها وتولاّها من هو في منزلة ينحط عنها. ولم يعد للسلالة المالكة أي تأثير على نظام التوريث وتسلّم الحكم بعد سيادة الأتراك الذين تولّوا أمر تنصيب الخليفة، وتحكّموا في ثروات الدولة. وقد أدّى ذلك إلى اختلال الواقع واضطراب السياسة، كما انعكس سلبا على منزلة الأفراد. وعبّر المثقفون عن هذا الاضطراب من خلال بعض النماذج، فقدّم أبو حيّان التوحيدي، بما لديه من رؤية نقدية، صورة عن القرن الرابع الهجرى من خلال نماذج لأهل العصر وخاصة في الرسالة البغدادية[13]. وتحوّل التوحيدي نفسه إلى نموذج المثقف المغترب في عصر طغى فيه المال وأصبح قيمة في ذاته ولذاته، فانتقل من أداة للتبادل إلى هدف في ذاته وتحولت قيمة الإنسان إلى وحدة قيس مالية، فضلا عن الموارد اللاشرعية في جمع مال السلطان، كما لاحظ الغزالى[14].
وأدرك التوحيدي خلل السّائس وصعوبة إرشاده ونصحه بقوله في الإمتاع والمؤانسة:" وقلّ من قرب من وزير خدم فأجاد، وتكلّم فأفاد وبسط فزاد... وما زهد في هذه الحال كثير من الحكماء الأوّلين والعبّاد الربّانيين إلا لغلظها وصعوبتها ومكروه عاقبتها."[15] فحدّد ملامح السائس في قوله على لسان أبي سليمان المنطقي (ت392هـ) :"ليس ينبغي لمن كان الله ،عز وجلّ، جعله سائس الناس، عامتهم وخاصتهم عالمهم وجاهلهم، وضيعهم وقويّهم...أن يضجر مما يبلغه عنهم...لأسباب كثيرة، منها أنّ عقله فوق عقولهم وحلمه أفضل من حلومهم... ويكون عماد حاله معهم الرفق بهم والقيام بمصالحهم، ومنها أن العلاقة التي بين السلطان وبين الرعية قويّة لأنّها إلهية."[16]
ويعدّ موقف التوحيدي من العامة جديرا بالعناية، إذا ما علمنا أن عصر التوحيدي يتميز بطغيان قيمة المال وزيادة التنافس على المناصب الجليلة والتقرب إلى السّاسة والوزراء فـ" أصبح الناس لا يتحرّجون من التذلل والمسكنة وتحمل الإهانات "[17] وهذا ما يجعل من نصيحة السلطان أمام إغراءات المال أمرا صعبا. فقد تميّز العصر بفقدان الإنسان لثوابته القيميّة والروحية نتيجة طغيان قيمة اللذة وتفشي حياة الترف، فأصبح الإنسان يشكو التناقض بين المثل الدينية وإغراءات الحياة، إلى درجة أضحى معها ممزّقا بين قيم أصلية ومنظومة قيميّة جديدة[18]. ويبدو أن قرب التوحيدي من العامة، جعله سلك طريق الزهد في الحياة والتبرّم من الدهر. فهو يفتتح كلامه في الإمتاع والمؤانسة بقوله:" نجا من آفات الدنيا من كان من العارفين، ووصل إلى خيرات الآخرة من كان من الزاهدين، وظفر بالفوز والنّعيم من قطع طمعه من الخلق أجمعين"[19]. فقد "أشكل الإنسان على الإنسان"
إلى درجة تستحيل معها الصداقة. ولعل تخصيص التوحيدي لرسالة في هذا الباب يوحي بتحوّل الصداقة إلى موضوع شائك في حاجة إلى المعالجة والنظر. فأورد قول أبي سليمان المنطقي: "الصداقة التي تدور بين الرغبة والرهبة شديدة الاستحالة وصاحبها من صاحبه في غرور والزلة فيها غير مأمونة." قال:" فأما الملوك فقد جلوا عن الصداقة...وإنّما أمورهم جارية على القدرة والقهر والهوى...أما التجّار فكسب الدّوانق سدّ بينهم وبين كل مروءة...أما أصحاب الدّين والورع فعلى قلّتهم ربما خلصت لهم الصداقة"[20]. ويوحي كلام التوحيدي بتراجع دور القيم والمبادئ وقلة الصاحب والصديق وجريان الأمور على البخت والاتفاق. ويزكّي هذا المبحث جواب مسكويه عن سؤال التوحيدي في"الهوامل والشوامل" بقوله :" صديقك آخر هو / أنت إلا أنه غيرك بالشخص... فهيهات عنه، إني لأظن الأبلق العقوب والعنقاء المغرب والكبريت الأحمر أيسر مطلبا وأقرب وجودا منه".[21]ونلمس موقف التوحيدي من السائد من خلال أسئلته. إذ يقول:" ما السبب في محبة الإنسان الرئاسة ؟ و من أين ورد هذا الخلق ؟... ولم أفرط بعضهم في طلبها، حتى تلقّى الأسنّة بنحره وواجه المرهفات بصدره؟"[22]. وتظل أسئلته مشدودة إلى سؤال مركزي في قوله: "حدّثني عن مسألة هي ملكة المسائل والجواب عنها، أمير الأجوبة ... وهي حرمان الفاضل وإدراك الناقص."[23] وهي مسألة تعبّر عن تفاوت الناس في المراتب والحظّ ومثّل ذلك مبعثا للحيرة لديه. فهو شديد الاعتقاد بضرورة التلازم بين منزلة الإنسان الاجتماعية وإمكاناته، أو ضرورة الارتباط بين العلم والعمل، في علاقة جدلية أو العمل بالعلم، وهو ما كان صعب التحقيق في الواقع، فالوزارة تولاها من لم يكن أهلا لها، فضلا عن عدم كفاءة الساسة في تلك الفترة. فقال صاحب الفخري في الوزير الخاقاني:" كان الخاقاني سيّء السيرة والتدبير كثير التولية والعزل"[24]. أما الوزير الخصيبي فقد:" كان حين ولي الوزارة، قد اشتغل بالشراب كل ليلة، وكان يصبح سكرانا لا قصد فيه لعمل وسماع حديث".[25] وتبعث قلّة الكفاءة على سوء السياسة التي تجلّت في تفشي المصادرات لأنّها الطريق السّهل لجمع الأموال. وهو ما نتج عنه تفاقم الإحساس بالظلم والقهر، فضلا عن الممارسة "المرضيّة" للسلطة[26]. ويبدأ الطغيان عندما تنتهي سلطة القانون فيتحول المجال السياسي إلى مجال صراعات دائمة لذلك رأى "جوليان فروند" (J. Freund) أن السياسة "صراع دائم بين جميع أشكال الجماعات والفئات بهدف السيطرة والنفوذ، والصراع السياسي متعدد الأشكال ولا ينحلّ إلى نمط واحد من أنماط الصراع."[27] وكل سياسة كما يقول "آلان" "لعبة سياسية".[28]
ويبدأ موقف المثقفين من دعوة السائس إلى إتّباع الفضائل والتّغاضي عن الرذائل في تحصيل الخلق القويم، ولا يتم له ذلك إلا بالتمكّن من القواعد الخلقية، وهي قواعد لا يمكن استيعابها إلا بالثقافة. ومن هنا تأتي حاجة السّلطان إلى خدمة المثقف.
ويبدأ التثقيف بالإطلاع على حكم الأوّلين وتجارب الأمم والنصائح الضابطة للقول السياسي باعتبارها أقرب مشغل للسائس، مما يسهّل على المثقف إثارة اهتمامه ومن ثم تحسيس السّلطان بقيمته وحدود الحاجة إلى معارفه. ولا يقف تثقيف السلطان عند النصائح والخلق الفاضل بقدرما يزود بجملة من الدهائيّات والمحاذير التي تنهض بدوام ملكه، ومن هنا تأتي أهمية العلم.
وكان التوحيدي على وعي بجلالة دور المثقف لذلك التمس من الوزير ابن سعدان منذ الليلة الأولى من ليالي الإمتاع والمؤانسة إمكانيّة ضبط أدوات الخطاب وأشراط التّواصل بينهما بقوله:" قلت: يؤذن لي في كاف المخاطبة وتاء المواجهة حتى أتخلّص من مزاحمة الكناية ومضايقة التعريض وأركب جدد القول من غير تقية ولا تحاش ولا محاباة ولا انحياش".[29] وهكذا تكشف علاقة المثقّف بالسّلطان آليات التبادل اللساني بما هو "كون للتبادل الرمزي يختزل الفعل إلى فعل تواصلي".[30] ولا يهدف هذا الضبط إلى تحديد سياقات التواصل للوقوف على مقاصد المتكلم ومعاني "العدول الفردي بالنسبة إلى السّنن اللساني"[31] فقط، إنما لمعرفة "الهيمنة الرمزية" التي يتضمنّها الخطاب وتكون مندسّة طي الرسالة اللغويّة. وتكشف الرسالة عن العلاقات السلطوية المندسة لأنّ" الخطاب يختلف بحسب علاقات القوى التي تنتظم ماديا بين الكفاءة اللسانية والقائل."[32] وهكذا يتم تنازع "الرأسمال الرمزي" بين المتكلم والمخاطب.
وانتهى التوحيدي إلى ضرورة تأثير المتكلّم (المثقف) في المخاطب (السائس) معتقدا أنّ" الفساد العام المستشري في المجتمع بأسره يرجع إلى فساد السّلطة السياسية وبالتالي فإن الإصلاح العام يجب أن ينطلق من إصلاح الأصل الفاسد لأنه بصلاح الراعي تصلح الرعية".[33]ولمّّّا كانت العلاقة بين الراعي والرعية عضوية فإن إصلاح الراعي من شأنه أن يصلح الرعية. ومن ثم الاشتراك في قيم السعادة والعدالة الاجتماعية بالرغم من وعيه بأن أزمة مجتمعه أعمق من إصلاح السائس والحاشية فالأزمة هيكليّة بالأساس. ولئن رأى التوحيدي ضرورة إصلاح السائس للحد من بؤس الواقع، فإنّ موقف مسكويه من تفاقم المصادرات والظلم يستند إلى ضرورة تعلم الخلق القويم وإشاعة الخير والسعادة في الفضاء المديني.
2- مسكويه: من الشهادة على الواقع إلى طرح البدائل
تناسبت رؤية مسكويه للسائد مع نشأته في الفضاء البويهي، فقد تميّز بلاط البويهيّن بـ"حرية التنافس بين المذاهب "[34] وهو تنافس أنتج مدرسة أدبية مزجت بين الفكر الفلسفي والفن الأدبي، وتولّت البحث في الواقع المعيش من خلال المزاوجة بين سعادة الفرد وسعادة الجماعة، وعن هذين السعادتين ينتج حسن تدبير المدينة. وعرف موقف مسكويه بالتوفيق بين النظري والعملي، أو على حدّ قول محمد أركون: "لقد استطاع مسكويه أن يتّخذ موقفا يعرف كيف يوفّق بين النزعة الشمولية الموسوعية والنزعة التخصّصية في آن معا."[35]
واتّفق مسكويه مع التوحيدي في تشخيص أزمة مجتمع عصرهما. ويقول في مقدمة كتابه، مع شريكه في الكتابة أبى حيان التوحيدي: "قرأت مسائلك التي سألتني أجوبتها في رسالتك التي بدأت بها، فشكوت فيها الزمان واستبطأت بها الإخوان، فوجدتك تشكو الداء القديم والمرض العقيم، فأنظر ،حفظك (الله)، إلى كثرة الباكين حولك وتأس، وإلى الصابرين معك وتسلّ (فلعمر أبيك) إنما تشكو إلى شاك وتبك على باك"[36]. وظلّ مسكويه متمسّكا بالرؤية الواقعية للسائد المجتمعي، فهو "فيلسوف ولكنه فيلسوف الواقع الذي سخّر حياته لملاحظة الظواهر الاجتماعية في عصره"[37]. وتجلى خطاب البدائل لديه في عدة خطوات، أهمّها الوقوف على تجارب الأمم والاهتمام بالتاريخ السياسي والأخلاق، أو ما يمكن جمعه تحت مصطلح "النقد التاريخي".
أ- النـقد التاريـخي: جدل المصادرة والعبرة
اهتم مسكويه بتاريخ الدولة الإسلاميّة الأخلاقي–السياسي على وجه الخصوص واعتنى بالتاريخ المحسوس، فقدّم مادة تاريخية ثريّة تتصل بالمصادرات والمغارم شتّى أنواع الانتهاكات والمظالم لغاية الاعتبار من درس الماضي. لأنّ "مفهوم الدرس ( أو العبرة بحسب اللغة الكلاسيكية ) كان يشكّل أحد المفاهيم الأساسية في علم التاريخ آنذاك. فالعبرة هي بالضبط ذلك الدرس الذي ينبغي على الإنسان العاقل أن يستخلصه من سلوك البشر وأحداث التاريخ في كل الأزمان ".[38]
ويواكب عرض مسكويه لتجارب المصادرات والمغارم والتجارب العقابية والتشريعية نفس درامي يتسلل عبر تقنيات السرد التاريخي لديه. إذ يقول في كتاب تجارب الأمم: "تفرّد المقتدر على لذّاته متوفرا واحتشم الرجال واطّرح الجلساء والمغنين وعاشر النساء، فغلب على الدولة الحرم والخدم، فما زال أبو الحسن ينفق الأموال من بيت مال الخاصة ويبذّر تبذيرا مفرطا إلى أن أتلفها".[39] فقد وقف على العلاقة بين الوقائع السياسية ونزعات الخروج والفتن وما يتخلّل ذلك من جدل دائم بين انهماك الصفوة الحاكمة في " تحصيل ثمرات الملك " وصراعاتها مع القوى النازعة إلى الاستيلاء على السلطة، ثم تطرح نفسها على أنها ممثلة "للكتلة التاريخية الجديدة ". فكانت الأحداث تقع وفق تجاذب بين الطرفين، ومن ذلك قوله " ولما سمع أولاء ناصر الدولة باضطراب بختيار وسوء سياسته وشغله عن تدبير الملك باللّعب والسّكر الدّائم وشغب جنده وانخراق هيبته همّوا بإخراج الأموال والانحدار إلى بغداد ومقارعة بختيار عن سرير الملك"[40].
وتحكّم المنحى الأخلاقي في موقفه من الحدث التاريخي، بأن شكّل خلفية متحكمة في مآل التاريخ ومسار الصراع. وقاده سؤال جوهري خلال رصده لأحداث التاريخ، وهو سؤال مضمر متّصل بالمشروعيّة، على اعتبار تضمن كل خطاب لجملة من المضمرات. ولذلك يقول الأستاذ محمد الحداد: "إن الإضمار ظاهرة ملاصقة لكل خطاب، فهو يمثل أوّلا طريقة لمراوغة المحرّمات اللغوية، أي مجموع الألفاظ والأفكار التي تمنعها الأعراف السائدة، وهو ثانيا استباق من المخاطب للاعتراضات المحتملة حول خطابه، وهو ثالثا توجيه من اللغة ذاتها لكيفية التعبير، وهو رابعا مساحة الفراغ التي يملأها المتقبل على مسؤوليّته الخاصة وفي حدود تفاعله مع إستراتيجية الخطاب"[41].
ويطلعنا الحفر في خطاب مسكويه على تضمّن الحدث التاريخي لوجه سياسي، فالسلطة لا معنى لها دون مشروعية، فتعاقب السّلالات المالكة والمعارك الدائرة بين القيادات وشتى أنواع المصادرات والمقاتل إنّما تدور حول كفاءة السائس في صنع النصر وقهر الأعداء. فما وراء الحدث التاريخي نجد جملة من القناعات والعقائد التي تسند الحدث. وينتج عن ذلك التلازم بين الحكمة والتاريخ و"هذا يعني أن الحكمة والتاريخ شيئان متلازمان بشكل حميمي، وكلاهما بحاجة للآخر ولا يستطيع أن يستغني عنه"[42].
وراهن مسكويه على إيصال الحكمة " الخالدة " إلى العقول والنفوس بعد أن أبلغهم " تجارب الأمم " فقدّم لرجال السلطة تجارب السابقين لغاية التدبّر والاتّعاظ، وحلّل تجارب الساسة البويهيين منوّها بسياسة عضد الدولة والوزيرين ابن العميد والمهلّبي. ونقد أخطاء بعض الساسة مثل معز الدولة وابنه بختيار، فميز بين نموذجين للسلطة اتصل الأول بالمفهوم الأمثل للحكم والسلطان الحق، في حين جسّد الثاني نموذج النمط السلطوي المتدهور. وعلى الملك الذي يبغي الحكم الأمثل أن يأخذ للضعيف من القوي حقه وللفقير من الغني بعض المال لإعادة توزيع الثروة. و يعود الجّور إلى تسلّط الجهلة على الناس في قوله في الحكمة الخالدة :" ألاّ يسلّط على الناس جهّالهم، فإنّ الجهالة قائد الضلالة والضلالة قائد البأساء والفتنة وفي الفتنة الدّمار والهلكة"[43].
واقترنت العبرة بالنصيحة لديه فرأى أن من واجب العالم نصيحة السلطان وطاعته. أما العلاج فيبدأ، في نظره، من الوعي بتطورات المجتمع وتعقّد حاجاته، والوقوف على تطور الفكر السياسي، على اختلاف مناحيه، فذلك مبحث "يفتح أمامنا بعدا جديدا، نفهم من خلاله هذه الفرق والتيارات التي عج بها المجتمع الإسلامي".[44] فكتابة العبرة تتطلّب الوعي بالسياقات الحافّة، ومعالجة علاقة الراعي بالرعيّة ومنظومة القيم الأخلاقية وضرورة الاعتدال والتوسط بين الأفعال والانفعالات. وتعد مهمّة مسكويه مهمة ريادية باعتباره حاملا للوعي المحفّز على التغيير، لأنّ المثقف أو "الأنتلجنسيا"[45] كما يقول نديم البيطار:" يواجه عالمين اجتماعيين، عالم مقبول وعادي مسموح به، وعالم غير مقبول، أو غير مسموح به، الثاني يتمثل في العلاقات والقوى والاتجاهات الاجتماعية والتاريخية الجديدة التي يكشف عن وجودها الواقع غير المباشر والتي تجعل تجاوز الواقع ضرورة تاريخية"[46]. وبذلك يتجاوز المثقف (مسكويه) "الدراسة والانتقال إلى صنع التاريخ"[47] ويبدأ بالتعليم ونشر الوعي.
- يستدعي تحويل الشريعة إلى قانون عدة إشكاليات منها تحويل- الدين من بيئته التاريخية الاجتماعية التي لها خصائصها العقدية والشعائرية إلى " قانون للعقوبات " يفرض بقوة خارجية، هي قوة السلطة وهكذا تتحول العقوبات إلى المركز، بعد أن كانت أحكامها هامشية ضمن أحكام الشريعة.
- يرى المؤلف أن ليس ضروريا اعتبار كل ظواهر العنف عنيفة وخاصة ما لازم الطبيعة، ويتساءل حول إمكانية إزالة العنف عارضا إلى تقنين الصراعات (م، ن، 297 وما بعدها)
[5]- عبد الإله بلقزيز، الإسلام والحداثة والاجتماع السياسي (حوارات فكرية )، ط1 مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2004 ص31
[6]- محمد أيت وعلي، السلطة السياسية عند أبي حامد الغزالي، ط2، وكالة الصحافة العربية، القاهرة 2001 ص 135
[9] - أبو يعرب المرزوقي، إصلاح العقل في الفلسفة العربية من واقعية أرسطو وأفلاطون إلى اسمية ابن تيمية وابن خلدون، مركز الدراسات الوحدة العربية، ط 3، 2001
- جاء فيها " ثم ركب معزّ الدولة الهوى في أمور غلمانه، فتوسع في إقطاعاتهم وزياداتهم، وأسرف في تمويلهم."
[11] - أبو شجاع (ظهير الدين الروذراوري)(ت488هـ) ذيل كتاب تجارب الأمم، شركة التمدّن الصناعية بمصر1334 هـ/1916 م /III 71
- قال في سياسة عضد الدولة:" أحدث جبايات لم تكن ورسوم معاملات لم تعهد، وأدخل يده في جميع الأرجاء وجبى ارتفاعها...وكثرت الظّلامة ".
[12] - [لمؤلف مجهول ]ـ كتاب العيون والحدائق في أخبار الحقائق، تحقيق ونشر عمر السّعيدي، المعهد الفرنسي بدمشق 1973./III306.
- جاء فيها :" إن الناس قد قتل بعضهم بعضا، واستبيحت الأموال وسفكت الدّماء "
[13]- أبو حيان التوحيدي (ت 414هـ) الرسالة البغدادية، تحقيق عبود الشالجي، منشورات الجمل، بيروت 1997 ص ص 50-51.
- يورد التوحيدي نموذجا اجتماعيا سائدا (أبا القاسم البغدادي) :"عاشر المقامرين والنبّاذين، وتخلّق بأخلاق المخانيث والقرّادين، ودرس علم الزّرافين والمشعبذين".
- يقول الإمام الغزالي :"إن أموال السلاطين في عصرنا حرام كلها، أو أكثرها وكيف لا والحلال هو الصدقات والفيء والغنيمة، لا وجود لها وليس يدخل منها شيء في يد السلطان ؟ ولم يبق إلا الجزية وأنها تؤخذ بأنواع من الظلم، لا يحل أخذها به ... ثم إذا نسبت ذلك إلى ما ينصبّ إليهم من الخراج المضروب على المسلمين ومن المصادرات و الرشاوي و صنوف الظلم، لم يبلغ عشر معشار عشيرة."
[15] - أبو حيان التوحيدي (ت414هـ) الإمتاع والمؤانسة، تحقيق أحمد أمين وأحمد الزّين (ج1) ط1، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1953، ص6
- كان أبو حيان التوحيدي يدافع عن العامة ويعظ السلطان بضرورة الاستماع إلى نقدها، يقول في هذا الباب (الإمتاع والمؤانسة /III88) : لو قالت الرعية أيضا، ولما لا نبحث عن أمرك ...وقد ملكت نواصينا وسكنت ديارنا وصادرتنا إلى أموالنا وحلت بيننا وبين ضياعنا وقاسمتنا مواريثنا...فطرقننا مخوفة، ومساكننا منزولة وضياعنا مقطعة."
- و يقول في مقام آخر(م، ن /III 90) :" والعرب تقول في كلامها :غلبنا السلطان فلبس فروتنا وأكل خضرتنا".
- ويعبر موقف التوحيدي عن انتماءاته" الطبقية " ومعاناته، فطالما وقف في باب الوزراء وشكا الفقر، فنجده يراسل ابن سعدان قائلا :" خلّصني أيها الرجل من التكفف، أنقذني من لبس الفقر، أطلقني من قيد الضّر اشترني بالإحسان" (ملحق ) ( الإمتاع والمؤانسة /III226 ).
[17] - مصطفي التواتي ، المثقفون والسلطة في الحضارة العربية(الدولة البويهية نموذجا)، منشورات المعهد العالي للغات بتونس 1999،
/II 175.
[18] - يذكر مسكويه في تجارب الأمم /II 145-146 صبر المهلبي على إهانات معز الدولة في قوله :" كان معز الدولة حديدا، سريع الغضب، بذيء اللسان، يكثر سب وزرائه والمحتشمين من حشمه. فكان يلحق المهلبي ،رحمه الله، من فحشه و شتمه عرضه، ما لا صبر لأحد عليه." ووصل به الأمر إلى ضربه ( مسكويه /II145 )
[21]- أبو حيان التوحيدي الهوامل والشوامل، تحقيق أحمد أمين والسيد أحمد الصقر، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر القاهرة 1370هـ /1951م ص 2
- يقول "موريس ديفرجيه"(M. Duverger): " إن الدكتاتورية ليست إلا مرضا من أمراض السلطة وليست ظاهرة طبيعية"
- أنظر أيضا حنة أرندت، أسس التوتاليتارية، ص 79:"أنّى حلت التوتاليتارية وبسطت رقابتها المطلقة أبدلت الدّعاية بالتلقين العقائدي وشرعت في استخدام العنف لتحقيق عقائدها الايديولوجية وإثبات مزاعمها التطبيقية أكثر من إخافة الناس ".
- يري " فروند" أن السياسة موضع – وليس الوحيد- يحاول إضفاء تماسك على الغايات الإنسانية العامة والنهائية كالعدالة والحرية والسعادة...(ص37)
[30] - Pierre Bourdieu .Ce que parler veut dire, L’économie des échanges linguistiques.Editions Fayard. 1982.P13.
[34] -Mohamed Arkoun .L’Humanisme ArabeAu IVe/Xesiècle .Miskawayh, philosophe et historien .séconde édition .Revue .Etudes Musulmans XII.Librairie Philosophique J.Vrin .Paris.1982 p 189.
[35] - محمد أركون، نزعة الأنسنة في الفكر العربي، جيل مسكويه والتوحيدي، ترجمة هاشم صالح، دار الساقي بيروت 2001
415
- بدت علاقة التوحيدي بمسكويه متناقضة، فهو كثير المهاجمة لمسكويه في عدة مواضع، منها قوله في الصداقة والصديق، ص 80 : " وأما مسكويه فإنه يستردّ بدمامة خلقه ما يتكلّفه من تهذيب خلقه." وقوله في م ، ن ، 81 : "وقد أفسده قال المهلبي: قال ابن العميد وفعل بن العميد، وما ذكره لهذين إلا استطالة على الحاضرين والتشبّع بذكر الرجال واضع من قدر الرجال".
- وقال فيه في الإمتاع والمؤانسة (الليلة الثانية) /I 35-36: "أما مسكويه ففقير بين أغنياء وعيي بين أبيناء لأنّه شاذّ ... كان إليه خدمة صاحبه في خزانة كتبه، هذا مع تقطيع وقته في حاجاته الضرورية والشهوية ...ولقد قطن العامريّ الريّ خمس سنين جمعة ودرّس وأملى وصنّف وروى فما أخذ مسكويه عنه كلمة واحدة، ولا وعى مسألة حتى كأنّه بينه وبينه سدّا."
وأشار إلى بخله في قوله في الإمتاع والمؤانسة /I 36. : " وانفاق زمانه وكدّ بدنه وقلبه في خدمة السلطان واحترافه فن البخل بالدّانق والقيراط والكسرة والخرقة."
ويبدو تحامله على مسكويه واضحا، ربّما يعود ذلك إلى حسده على ما أدرك من حظوة لدى بني بويه، إذ نظفر بموقف أبي سليمان المنطقي (ت392هـ) من مسكويه في صوان الحكمة وهو موقف مضاد لموقف التوحيدي في قوله: "فهو من أعيان الزمان وقد صحب الوزير أبا محمد المهلّبي في أيام شبيبته وكان من خواصّه ... فأما ما سمعت منه من مجارى أحواله وشاهدته من سيره الحسنة وأخلاقه الطاهرة فأسرد فيه رسالة أقصرها على ذلك."
( أبو سليمان المنطقي(ت 392 هـ)، صوان الحكمة، حققه عبد الرحمان بدوي، دار مكتبة ببليون، باريس 346-347.)
- أنظر أيضا محمد أركون نزعة الأنسنة، 114 و ما بعدها.
[43] - مسكويه كتاب الحكمة الخالدة أو جاويدان خرد، تقديم عبد الرحمان بدوي، دار الأندلس للطباعة والنشر، بيروت 1996
ص47.
[44] - محمد على الكبسي، نشأة الفكر السياسي عند العرب " من الفتنة إلى قيام الدولة السلطانية " عمل مرقون لنيل شهادة الدكتوراه في الفلسفة، إشراف الحبيب الفقي، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، 1996-1997، ص 12.
3- نديم البيطار، المثقفون والثورة ( الأنتلجنسيا كظاهرة تاريخية) ط2، بيسان للنشر والتوزيع، بيروت 2001 ص63
- يميّز نديم البيطار بين المثقف والأتنلّجنسيا، فالمثقف الذي يهتم بالأفكار والتحليل الفكري والوقائع يعدّ منظرا، أما المهتم بالأفكار المعيارية والتقيمية فهو أخلاقيا، أما الأنتلجنسيا فهي صفة تطلق على المثقف الذي يهتم بالنوعين في إطار رفض الأوضاع السائدة ، فالأنتلجنسيا قوّة نضالية في خدمة ما يجب أن يكون. (م، ن،63)

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire