ندوة إشكالية المناهج في العلوم الإنسانية كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان
د. العروسي لسمر كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان
(Lasmararoussi@yahoo.fr)
صراع المناهج واستعصاء النصوص
I-إشكالية العلوم الإنسانية
أدّى
تطبيق مناهج العلوم الصحيحة على الظواهر الإنسانية إلى نشأة العلوم الإنسانية، بعد
أن انعتقت من خطاب الفلسفة في القرن السابع عشر الذي ظل متأثرا بكل جديد تقدمه تلك
العلوم. وأفرز هذا المعطى الابستيمولوجي أرضية منهجية ناتجة عن تطبيق مناهج
ومفاهيم علوم الإنسان والمجتمع على الظواهر الإنسانية. كما نتج عن تطور العلوم
الإنسانية عدّة تغيرات فلسفية مست علاقة الإنسان بذاته وبالمعرفة[1]. فقد
جاءت البنيوية مباشرة من ألسنية سوسير أولا ومن أنثربولوجيا (علم الإناسة)
ليفي-شتراوس ثانيا.[2]
وكان لطغيان موجة البنيوية على حقول المعرفة تأثيرات هامة، على المستوى الفلسفي
خاصة، أهمّها اقتصاد الرجوع إلى الذات أي الحاجة إلى فلسفة الذات[3].
ويبدو أن التفكير في إنشاء علم
يهتم بالإنسان لم يكن بسيطا، فقد تطلّب الأمر مسارا طويلا عبر قرون من البحث؛ ففكرة معرفة الإنسان
كما هو منغمس في حياته لم تستتب إلا بالتدريج. وهكذا "بدا أن دراسة الإنسان وجدت أخيرا
مشروعا قابلا للنجاح".[4] ولعل
"ما يصنع نموذجية الإنسان هو قدرته على أن يكون في آن معا الذات الكلية
والموضوع الكلي لمعرفته الخاصة-مما يمنح العلوم الإنسانية بنية مضطربة جدا وموهنة
في نهاية المطاف"[5].
وقد دشنت
العلوم الإنسانية رؤية جديدة أصبح الإنسان فيها مقياس كل شيء، طالما لم يعد نظام
العالم مفروضا من الله. فالإنسان الذي كان في ما مضى كائنا في عداد الكائنات صار
ذاتا بين الموضوعات بعد أن أدرك أن موضوع المعرفة لا يتمثّل فقط في أشياء العالم,
إنما عليه هو أيضا، فبات الإنسان مصدر معرفته الخاصة وموضوعها. وفي هذا السياق
يمكن أن نفهم قول فوكو "إن الإنسان هو من ابتكارات الفكر الحديث"[6]. واحتاج
هذا الفهم الجديد للإنسان إلى منهج يجمع بين التجريبي والمتعالي، إذ يصرّح فوكو في
قوله:" "لا تقع بداية حداثتنا حين أردنا أن نطبق الطرائق الموضوعية على
دراسة الإنسان، بل يوم تكوّن زوج تجريبي-متعالٍ أطلق عليه اسم الإنسان."[7] وكان
ظهور الإنسان كشكل عام في الابستيميه[8] مشروطا
بكشف "الفكر في وقت واحد في ذاته وخارج ذاته، في هوامشه إنما أيضا بتشابك مع
حبكته الخاصة."[9]
أما قبل ذلك فلم يقع التفكير في ما يلوذ بفلك
الذات الإنسانية. فلم يتم ابتكار "قوانين" للسلوك الفردي, ولا قوانين
تفسّر علاقات العمل، وأشكال التضامن أو الحكم. ولم ينشأ "المجال
الابستمولوجي" لعلوم الإنسان- أي مجموع المناهج، وأنماط التفكير التي يمكن بواسطتها
الحصول على معرفة بالحياة اليومية؛ الجماعية أو الفردية في استقلالها وديناميتها
الخاصين- من فراغ بل هيأت له عدة تحولات يمكن حصرها في ثلاث صور متعاقبة[10]. فضلا عن
اتصالها الشديد بالعلوم الصحيحة.[11]
أما الصورة الأولى فتنبثق في القرن السادس عشر عن قطيعة مع التراث
الأوروبي، تحت شعار "أعرف نفسك بنفسك، وما هو الإنسان؟" الذي سيطر على فكر القرن، وأدى ذلك إلى تشكل عالم
جديد. وشهد هذا القرن عدة تحولات لعل أهمها إشاعة الكتابة التي ستمكّن من مراكمة
المعرفة، ومن ثمة إحداث تطور تقني وسياسي رهيبين. وتتمثل أهم نتيجة لهذا المسار في
ظهور ما يمكن وصفه بـ"أسطورة وعي الذات". وعبرت الفلسفة الديكارتية والعقلنة
عن هذه النزعة الذاتية. وقد أثر هذا الفهم الجديد للذات الإنسانية في إعادة السؤال
حول موقعها من التراتب الاجتماعي الذي لم يختره، وحول مشروعية النظام الاجتماعي الذي
كان "العقل" فيه مبعدا لحساب القوة. وتجلى هذا الموقف من خلال آراء
مونتسكيو القائلة بأن منظومات الفكر السياسي والعادات والأخلاق منظومات نسبية
تتغير تبعا للوسط الجغرافي أو تبعا فقط للتاريخ الخاص بكل مجتمع.
أما الصورة الثانية فنتجت عن فلسفة روسو وبعض معاصريه من فلاسفة
الأنوار في القرن الثامن عشر. وتجلّت في فكرة "الإرادة العامة" التي هي
تعبير عن "نحن" جماعية. وتتصل بـ"الأفكار القوية" والدينامية
الداخلية للحياة الاجتماعية, والقدرة على تغيير النظام القائم من أجل تشكيل عالم
جديد. وستولد الدينامية الخلاقة فكرة قوية أخرى تقود الإنسان إلى التساؤل عن مدى
صلاحية المؤسسات, وعن جدواها، ووظيفتها، مما سينجر عنه اكتشاف الميدان الواسع
للتحليل السوسيولوجي. فسواء وضعنا في المقدمة فكرة المساواة كما فعل توكفيل، أو
ركزنا نظرتنا للحياة الاجتماعية على تواجه الطبقات كما فعل ماركس, أو تساءلنا مع ماكس
فيبر حول المواقف المشتركة بين المقدس والاقتصادي، فإن الأمر يتعلق دوما بالبحث
عما ظهر من جديد في عالم لا يشبه بتاتا الصورة التي كان عليها.[12]
وستسهم العلوم الإنسانية في إنتاج خطاب علمي جديد يطبّق مناهج
العلوم الصحيحة على الظواهر الإنسانية. ونقف على صدى هذه المناهج في منجزات علم
الاجتماع الذي يعالج المجتمع على منوال الفيزياء الاجتماعية "أي من حيث هو
بنية موضوعية يتم الإمساك بها من الخارج ويمكن أن تلاحظ تمفصلاتها على المستوى
المادي وأن تقاس وترسم خريطتها."[13] ويرتكز
علم الاجتماع على النظرة الوضعانية أو البنيوية التي قدم دوركهايم أنموذجها في
كتابه "الانتحار". كما عمل بورديو على تدمير "وهم شفافية العالم
الاجتماعي".
أما الصورة الثالثة فقد نتجت عن
الثورة الفرنسية باعتبارها تعبيرا عن قوة داخلية قادرة على تعديل التغير الحادث في
منظومة القوانين، والمؤسسات القائمة. وعبرت هذه الثورة عن القوى الجماعية التي
استطاعت إحداث طفرة عميقة في النظام القائم. وولد ذلك تصورا جديدا للإنسان الذي
"صنع تاريخه".
وتثير العلوم الإنسانية عدة إحراجات معرفية، رغم تطورها، فإذا
كانت خصائص العلمي المضبوط هي البحث التطبيقي، فإن البرهنة على ذلك في تناول
الظاهرة الإنسانية يبدو أمرا غير يسير. " فالتطبيقي يعتمد على عيّنة
"منتقاة" غير شاملة بينما لا يعتمد البحث على التجربة في الأساس. أما
الاجتماعي فإن التجربة تحكمها عوامل معروفة ومتعددة تنفي عنها الإطلاق
والشمول."[14]
وتختلف العلوم الإنسانية عن العلوم الطبيعية من الناحيتين الموضوعية والمنهجية.
وأهمها التي أشار إليها عالم الاجتماع الألماني "فيلهم ديلتاي" على
اعتبار أن العلاقات التي تنظم الظواهر الطبيعية علاقات علمية وآلية، في حين تخضع
الظاهرة الإنسانية إلى القيمة وترتبط بالهدف والغاية. فالعلوم الإنسانية تقوم على
الفهم[15] في
حين تتصف العلاقات الطبيعية بالسببية. أما من ناحية الإدراك فإن الدراسة الطبيعية
والفيزيائية مستقلة عن الباحث وتتيح الملاحظة والتجربة، بينما تتميز الظواهر
الإنسانية بالوعي ومن ثمة تداخل الذات بالموضوع. ولئن كان المنهج التجريبي يقتضي
إمكانية إعادة التجربة فإن العلوم الاجتماعية تتسم بحركيتها وعدم ثباتها. ولهذا
تقول الباحثة "مادلين غرافيتس":" إن الواقعة الاجتماعية هي في
الوقت نفسه فردية تاريخية، وكل واقعة اجتماعية تجسد لحظة تاريخية لجماعة من الناس
فهي نهاية وبداية لواحدة أو مجموعة من السلاسل، بينما في علوم الطبيعة نلاحظ في
أغلب الأحيان أن الظواهر تتكرر بالشروط نفسها وبشكل مماثل."[16]
أما إذا تعلق الأمر بتطبيق العلوم الإنسانية على
المجال العربي الإسلامي فإن بعض الدارسين يسلمون بأن تركيبة الاجتماع العربي تختلف
عن غيرها من المجتمعات. لكن من الضروري الدخول في روح العصر من خلال ثقافتنا
المحلية. فالثقافات تكون في حاجة ملحة ودائمة إلى تجديد نفسها وضبط قواعدها من أجل
أن تستمر، وتستطيع البحث عن حلول للمشاكل المستجدة.
II- سؤال المنهج في التعامل مع التراث
لئن كانت العلوم الإنسانية تطرح عدة إشكاليات منهجية وابستمولوجية
فإن تطبيق مناهجها على نصوص التراث الإسلامي كان مبعثا لعدة اختلافات يمكن حصرها
في موقفين أحدهما متحفّظ يميل إلى قراءة النصوص في ضوء السياق المعرفي الذي أنتجها
وفي صلة بالمعرفة التي أنشأتها، بحجة المنهجية الأصيلة في تقويم التراث، وتطغى عليه
مصطلحات من فئة (الأصالة والآليات الإنتاجية والاستمرارية والتراكم...). والموقف الآخر
منفتح ويدعو إلى ضرورة تطبيق مناهج علوم الإنسان والمجتمع على الثراث قصد الانخراط
في الحداثة الكونية، ومن أهم مصطلحاته (الحداثة والقطيعة والنقد والانفتاح...) .وهكذا تثير مسألة المنهج في التعامل مع التراث عدة
مواقف، تتراوح بين الاستمرارية والقطيعة.
1- الموقف المتحفّظ من مناهج العلوم الإنسانية
أ-دعوى الاستمرارية أو"الحداثة الأصيلة"
يدقّق
طه عبد الرحمان مفهوم المنهج قبل انتخاب ما ينسجم مع التراث، بقوله:"المقصود
بـ"المنهج"...جملة الطرق والأساليب التي يُتوصل بها إلى
نتائج معينة، وقد أدركت الممارسة التراثية الخاصيّة "المنهجية" للعلم
إدراكا تاما، وصياغتها بصيغ مختلفة."[17] ويحمل
لفظ الوسيلة الذي غلب استعماله في مرادف لفظ"الآلة" ولهذا قيل علوم
"الوسائل" بدل علوم "الآلة"، وقيل في المقابل علوم
"الغايات" بدل علوم "المقاصد". ويتميز التراث، في نظره،
بمنهجية منطقية تشمل كل المقولات والأدوات التي تدخل في بناء الاستدلالات،
ويمكن تقسيمها إلى قسمين: "قسم الاستدلالات التي يقوم بها الباحث بمفرده
للوصول إلى العلم بأمور معينة تشغله, فيستحق بذلك اسم "الناظر" وقد
نسميها "الاستدلالات النظرية""، و"قسم الاستدلالات التي يقوم
بها الباحث بالمشاركة مع غيره، طلبا للصواب في مسألة وقع التنازع فيها, فيستحق
حينئذ اسم "المُناظر" ويجوز أن نسميها "الاستدلالات
التناظرية"".
وهكذا
يجب أن تنسجم المناهج المقومة للتراث مع هذه المنهجية لأن التوسل بأدوات البحث
التي اصطنعها المحدثون، من مفاهيم ومناهج ونظريات، لا يستوفي بشرائط النظر العلمي
الصحيح كما يتوهم المحدثون أو "مقلدة المتأخرين". ويحتج على هؤلاء
بقوله:" أولم يدروا أنه ليس كل ما نقل عن المحدثين بأولى بالثقة مما نقل عن المتقدمين،
ولا كل ما نسب إلى العلم الحديث بأقرب إلى الصواب مما نسب إلى العلم المتقدم، ولا
الطريق الذي اتخذه العلم الحديث يلغي غيره من الطرق التي بقيت في ضمير الكون أو
درست آثارها لغلبت هذا العلم؟."[18] ويعيب
طه عبد الرحمان على نقاد التراث قلة تمكّنهم من مناهج العلوم الإنسانية. ويقول في
هذا الباب :"حتى لو قدّرنا أن المناهج الحديثة لا يضاهيها غيره، ولا يبطلها
مرور يسير الزمن عليها، فهل ملك هؤلاء المقلدون ناصية تقنياتها وتفننوا في
استعمالها، حتى جاز لهم أن ينقلوها إلى غير أصولها فيخرجون التراث على مقتضاها،
ويفتون بإلغائه أو بحصره؟"[19] وبقدر ما
نلاحظ في هذا القول من دقة فإنه ينطوي على مفارقة فهو يرفض تقويم التراث من مقولات
خارجة عن المعرفة التي أنتجته، ويريد أن يثبت ذلك متعللا بعدم اقتدار هؤلاء
على نقل المناهج الغربية[20]. ويستدل
على ذلك بأنهم "عاجزون عن الاستقلال عن تلك المناهج والإتيان بما
يقابلها ولو على نمطها، مع أنه لا استيعاب
بغير تحصيل هذه القدرة على اصطناع المقابل مثلا أو ضدا؛ فهل أمكنهم تصوّر ضروب من
المنهجيات يحصلونها بتعديل المنهجيات
المنقولة؛ إن بحذف بعض قيودها أو بإضافة قيود جديدة إليها مع معرفة تامة بما يتطلبه
هذا الحذف أو هذه الإضافة من مقتضيات صناعية تحفظ إجرائية هذه المنهجيات
المحصلة؟."[21]
ولما طغت الوسائل المنقولة على الوسائل المأصولة أو "الوسائل
الاستهلاكية" على الوسائل "الإنتاجية" في تقويم التراث، مال
المقلدون إلى تجزيء التراث وفق رؤية تفاضلية قللت من الاستنباط المنهجي. ولهذا
يقول:"فما حصّلوه من المنقول، ولو على تهلهله، حجبهم عن التفطن لما يمتاز به
مخالفه، وضيّق عليهم الانطلاق في آفاق التراث، ضانين أن باب العلم واحد، ولا يلجه
إلا من استهلك المنقول استهلاكا."[22]ولا
يكتفي طه عبد الرحمان بنقد هؤلاء بل قام بتأصيل منهجية مبتدعة تقوّم التراث من
منطلقات موازية للآليات التي أنتجته.
ويملي هذا الاختيار المنهجي على طه عبد الرحمان ضرورة تقويم التراث من الداخل، أي توظيف منهجية
كتابته ولغته في التعامل مع النصوص، وتحليله وفق رؤية شمولية كلية. ولهذا
يقول:"كيف يصحّ إذن لمن لا يجيد لغة التراث أن يدّعي لنفسه القدرة على
تقويمه. فمن أين يقع على مضامينه وعلى كنه آلياته...ولا أشذ ولا أغرب مما ينقلونه
على غير أهل هذا التراث، متوسلين به عند النظر في معارف التراث ومحتكمين إليه في
الحسم في قضاياه."[23] ويعتقد
طه عبد الرحمان أن الخلط ناتج عن تقليد مناهج المستشرقين، ولا يجوز ، في نظره، الاطمئنان
إلى تلك المناهج لأنها مختلفة عن المعرفة التي أنتجت التراث. ولهذا يقول:"لا
يجوز أن يطمئن أصحاب هذا التراث إلى أحكامه، حتى يقوم الدليل القاطع على حصول
أسباب هذا الاطمئنان، وليس ذاك لأن المستشرق ما يفتأ يُلبِّس على الغير ويشكك فيما
عنده وفيما ورثه كما وقع من بعضهم، وإنما لأن المعرفة التي يحملها ليست من صنف
المعرفة التي تولدت بها مضامين التراث الإسلامي العربي وتكونت بها مقاصده."[24] وهكذا
يجب أن يتّفق الخطاب الواصف أو القارئ مع الخطاب الموصوف أو المقروء. وينطوي هذا
الرأي على نوع من التناقض على اعتبار أن الخطاب الناقد أو الدارس يختلف من حيث
المقصد والرؤية، كما يختلف من جهة المسلمات الابستيمولوجية - خاصة بعد أن توضحت الأسس
المعرفية للابستيميه الكلاسيكي واختلافه عن الفضاء العلمي الحديث- عن النص الأصلي.
ولئن أقر طه عبد الرحمان بهذه الحقيقة فإن ذلك لا يحول دون الأخذ بعين الاعتبار
خصوصية المعرفي التراثية في تقويمه. "فهذه المعرفة تصل العقل بالغيب وتصل
العلم بالعمل، وتلك المعرفة تقطع العقل عن الغيب وتفصل ما بين العلم والعمل، فلا
تناسب هذا التراث ولا تفيد في تقويم أطواره ولا تصحيح مساره."[25] ولا
يحصل الفهم الصحيح للتراث إلا بعد الاهتداء إلى ما يميز المعرفة التراثية من وصل
للعقل بالغيب لأن العقل الذي تتضمنه هذه المعرفة لا يقطع مع الغيب، وإلحاق العلم
بالعمل وفق الرؤية الأخلاقية التي تختزل في "العمل بالعلم" لأن العلم يقاس
بمدى نفعه، فالحقيقة التراثية تستمد من "المنفعة في العلم"
و"الصلاح في العمل" و"الاشتراك في طلب الصواب"[26]. ولا
يمكن الفصل بين جانب المعرفة وجانب السلوك، هذا الفصل الذي وقع فيه جل المشتغلين
بالتراث.
ب- المنهجية المأصولة
يؤسس
طه عبد الرحمان لموقف بديل يهدف إلى تجديد المنهج في تقويم التراث في قوله :"
لقد نحونا في تقويم التراث منحى غير مسبوق ولا مألوف؛ فهو غير مسبوق، لأننا نقول
بالنظرة التكاملية حيث يقول غيرنا بالنظرة التفاضلية؛ وهو غير مألوف لأننا توسلنا
فيه بأدوات "مأصولة" حيث توسّل غيرنا بأدوات منقولة."[27] وهكذا
يقيم حاجزا بين التراث والعقل الكوني وبين العلوم الإسلامية والعلوم الإنسانية. وينتج
عم ذلك جدلية طرفاها الوسائل التراثية والمناهج الحديثة. وتنسجم هذه الثنائية مع
تقسيمه للمقاربات النقدية للتراث إلى قسمين في قوله."يتّضح إجمالا ... أن
تقويم التراث على ضربين: تقويم تفاضلي وتقويم تكاملي، وأننا أبطلنا الضرب
الأول...وأثبتنا الضرب الثاني"[28]. وتتأسس
هذه المقاربة على ما يمكن وسمه بـ"التأسيس في المؤتلف" ومنطلقها الوعي تاريخا
وواقعا؛ بنفوذ التراث في وعينا، مما يقود إلى رؤية للعلم أكثر رحابة. فهو ينقد
المسلمات المعرفية السائدة "لأنها تأخذ بتصور للمنهجية العلمية يضيق ضيقا عن
استيفاء مقتضياته التاريخية والواقعية؛ إذ ينبني هذا التصور على اعتقاد أن العلم
واحد لا تعدّد في طرائقه، وأنه ضروري لا جواز في أطواره وأنه مطلق لا نسبية في
نتائجه؛ وليس هذا كله إلا توهّما محضا فالعلم في حقيقته أبواب عدة ومسالك شتى."[29]
ويميز
طه عبد الرحمان بين نمطين من الآليات الأولى مشتقة من مضامين النصوص وتتمثل في
الوسائل والكيفيات اللغوية المنطقية المنتجة للمعرفة التراثية ويسميها "الآليات
الإنتاجية" أو "الآليات الأصلية" أو "الآليات التحتية".
ويحرص على مراعاة قوانين اللغة العربية في اصطناع أدوات البحث للاقتراب من الآليات
الأصلية.[30]
أما الوسائل المغايرة في أوصافها وقواعدها
للآليات التحتية المنتجة, مغايرة تزيد أو تنقص؛ وتتصف بكونها منقولة من خارج تلك
المعرفة فيسميها "الآليات الاستهلاكية" أو "الآليات الفرعية"
أو "الآليات الفوقية"[31]. ويحصر الآليات
الاستهلاكية التي توسل بها الباحثون في تقويم التراث في صنفين أساسيّين: "صنف
"الآليات العقلانية" وصنف "الآليات الايديولوجية" أو
باصطلاحنا الخاص "الآليات الفكرانية""[32].
ج-تعالي المعرفة التراثية:
تتقاطع
الرؤية الجديدة للتراث، في نظره، مع حقيقته الموسومة بالشمول واتصال المعرفة
العلمية بالمعرفة الدينية اللاتاريخية، إذ ينقد المقاربات الحديثة بقوله:"هذا
التصور الشائع ينظر إلى الحقيقة التراثية كما لو كانت حقيقة تاريخية غير دينية
وغير قائمة على الوحي، تقبل أن ينزل عليها من المفاهيم والمناهج ما ينزل على
التراث غير الديني"[33].
ويقر
الباحث الاجتماعي محمد محمد أمزيان بتصور قريب جدا من الذي نجده عند طه عبد
الرحمان. فقد دعا إلى رؤية جديدة تراعي الحقيقة الإسلامية في قوله:"إن
المذهبية الإسلامية تقرر أن الحقيقة العلمية ليست حكرا على التجربة، وأن الوجود
الواقعي ليس حكرا على الوجود المادي، وأن الأسلوب العلمي في دراسة الظواهر
الاجتماعية لا يتحوّل بالضرورة إلى الاعتقاد في العلم كطريق وحيد مشروع ورفض ما
عداه من الطرق."[34] ويرى
الباحث أن الظواهر الإنسانية ليست حسية فقط لأنها تتكون من عناصر أخرى ذات طبيعة
مخالفة؛ أخلاقية وروحية توجه السلوك الخارجي، كمواضيع العقيدة والغيب...لكن الخطأ
الذي ترتكبه المنهجية الوضعية، في نظره، يكمن في اختزال "هذا النظام الروحي
والأخلاقي في مظاهره الحسية وأشكاله المادية ...وتختزل النظام الروحي والعقائدي في
المظاهر التعبدية في الطقوس والشعائر التي يمارسها الأفراد."[35]
ولما
كانت الحقيقة الدينية للمعرفة التراثية حقيقة متعالية جاز القول،حسب الباحث
أمزيان، اعتبار الوحي مصدرا من المصادر المعرفية لعلم الاجتماع. فهو يعتقد أن
"الوحي قادر على إعطاء إجابات محددة لكثير من تلك القضايا الاجتماعية التي
كانت مثار جدل حاد بين المدارس الاجتماعية."[36] ويذهب
الباحث إلى اعتبار الوحي مصححا لتصورات قيام المؤسسات والنظم الاجتماعية. وهو يدعو
إلى ضرورة أسلمة العلوم الاجتماعية والضوابط المنهجية للبحث الاجتماعي.[37]
د-شمولية المعرفة التراثية
يقر طه عبد الرحمان بشمولية المعرفة التراثية وعدم
جواز تجزئتها. وهذا التمشي، أو هذه المسلمات تستوجب منهجية مخصوصة. فهو يدعو إلى
" فتح الباب لتنقيحها بحسب الحاجة، بدل أن نقتبس غيرها لأنّ أسباب الاتصال مع
تراثنا متوافرة، بينما لا تتوافر هذه الأسباب مع غيره."[38] وهكذا
لا يقر طه عبد الرحمان بتاريخية المعرفة التراثية باعتبار اطلاقيّتها، وهو موقف لا
يتماشى مع سياق الحداثة.
ويراوح طه عبد الرحمان بين ضرورتين لا بد من الأخذ
بهما في دراسة التراث وهما؛ "تحصيل معرفة شاملة بمناهج المتقدمين من علماء
الإسلام ومفكريهم في مختلف العلوم، مع تحصيل معرفة كافية بالمناهج الحديثة تُمكّن
من القدرة على تجاوز طور تقليد المناهج واقتباس النظريات إلى طور الاجتهاد في
اصطناع المناهج ووضع النظريات."[39] كما يعمل
على استعادة وحدة العلم والعمل والصواب كما مورست في التراث، بفضل منهجية تعتمد
مسلكا حواريا يركز على طريقة المناظرة. و"تنبني على وظائف منطقية تأخذ بمبدإ
الاشتراك مع الغير في طلب العلم، وطلب العمل بالمعلوم، كما تنبني على قواعد
أخلاقية تأخذ بمبدإ النفع المتعدي إلى الغير أو إلى الآجل."[40] ولما
كانت هذه المنهجية ترتكز على الآليات المنطقية واللغوية أو "علوم الآلة"
كما وظفها "أهل المناظرة" يمكن الأخذ بطرق منطقية ولغوية تناسب النظريات
المنطقية والحجاجّية واللسانية المعاصرة. ويستوجب هذا التوظيف ضرورة مراعاة خصائص
الموضوعات التراثية "المبنية بناء لغويا ومنطقيا مخصوصا، ولا يمكن وصفه وصفا
كافيا ولا تعليله تعليلا شافيا إلا إذا كانت الوسائل التي تستخدم في وصفه ذات صبغة
لغوية ومنطقية."[41]
ويوجه
طه عبد الرحمان نقدا لاذعا لدعاة التجديد في تقويم التراث بالكشف عن تناقضات
خطابهم وتبين الآفات التي تصيبه. وهما "آفتان عظيمتان: أولاهما آفة التعارض
بين ادّعاء عدم التجزيء (أو ادعاء التكامل) والعمل بالتجزيء، والثانية آفة القصور
في تحصيل المقتضيات الإجرائية للآليات التي وقع التوسّل بها في تقويم التراث."[42] وهكذا
نتجت عن الانشغال بإجراء مناهج العلوم الإنسانية في النظر إلى التراث دون النظر في
الوسائل اللغوية والمنطقية التي أنشئت وبلّغت بها هذه المضامين السبب الأساسي في
النظرة التجزيئية إلى التراث[43].
ولا
يمكن تجاوز هاتين الآفتين، في نظره، إلا
بالنظرة التكاملية للتراث وتحصيل معرفة متينة بالآليات المنتجة للنص التراثي وهي
ما زالت غير مدروسة ولا معروفة؛ لأنها ظلت خارجة عن مجال اهتمام الباحثين في
التراث الذين انشغلوا بآليات مستمدة من مجالات ثقافية أخرى غير التراث الإسلامي
العربي. وأدت هذه المنهجية بأصحاب الآليات الاستهلاكية العقلانية من دارسي التراث
إلى الوهم بعد أن اعتبروا أنّ المنهج العقلاني هو أقدر المناهج على توفير
الاستفادة العلمية من التراث. وانجر عن هذا المنهج المقتبس تشريح التراث شرائح
متعددة بحثا عن المقاطع التي تستجيب لمعايير "العقلانية"[44]. لكن "دعاة الأخذ بالمناهج العقلانية المعقولة
في تقويم التراث وإن اتفقوا على العمل بمبدإ التشريح ومبدإ الانتقاء، فإنهم
اختلفوا اختلافا في تعيين الشرائح التراثية التي تمثّل أفضل تمثيلا النموذج
العقلاني"[45].
وقد غاب التعامل النقدي مع العقلانية المنقولة، مبدأ ومنهجا، وتناسى هؤلاء
الباحثون القيام بنقدها قبل الدخول في تقطيع التراث بواسطتها. و"الحق أن هذه
الفئة لو نهضت بواجبها في الاعتراض على هذه العقلانية لتبين أن لها من الصفات السلبية،
كفحش التجريد ونقص التوجيه ما يجعلها غير كافية، بل محتاجة إلى المزيد من التغيير
والتطوير والتنقيح حتى تصير أقدر على الظفر بحقيقة المعرفة التراثية الإسلامية؛
غير إصرار هؤلاء الدارسين على التمسك بالعقلانية المجردة وغير الموجهة التي ورثوها
عن الغير فوّت عليهم إدراك خصوصية المعرفة التراثية."[46] وهي
معرفة لا يمكن مقاربتها بالانطلاق من العقل التجريدي الذي يتناقض مع المنحى العملي
للمعرفة التراثية. وبهذا المعنى تكون النصوص مستعصية على مناهج العلوم الإنسانية
الحديثة التي تستمد أسسها الابيستمولوجية من العقل الغربي المجرد والمنغرس في
الدنيوي والمادي.
أما أصحاب المنحى الايديولوجي أو"الاتجاه
الفكراني" باصطلاحات طه عبد الرحمان فاستندوا على مبدإ "التسييس"،
و"المقصود بـ"التسييس" هنا إفراد الجانب السياسي بالقدرة على
الوفاء بشروط النهضة الثقافية والحضارية، فتكون قيمة النص التراثي المقروء بواسطة
هذا المبدإ منحصرة فيما يحمله هذا النص في سياقه الاجتماعي من دلالات على التدافع
من أجل ممارسة السلطة، وعلى التنازع من أجل الحصول على مراكز القوة"[47] وهكذا
يطغى الجانب الايديولوجي أو "الوعي الزائف" فينشغل بالجوانب النضالية إلى
درجة تنعكس معها المشاغل السياسية على النص
مثل التحرر والتقدم والتوحد والتطور... ويصبح مجال الدراسة محصورا في النصوص
التراثية التي تستجيب لهذه القيم التسييسية، أما ما كان مجانبا أو مخاصما لهذه
القيم النضالية، فلا يعتد به أو قد تُنسب إليه أسباب التدهور الذي أصاب الوجود الحضاري.
واتجه
التيار التجزيئي الفكراني إلى نقد التراث من غير امتحان كفاية الآليات الاستهلاكية
المسيََّسة التي توسّل بها في هذا النقد. ولهذا لم يدرك حقيقة أخرى جليلة يختص بها
النص التراثي؛ وتتمثل في أن هذا النص على وجه الخصوص هو أقرب إلى
"التأنيس" منه إلى "التسييس". والمقصود بـ"التأنيس"
هو إيلاء الجانب الأخلاقي والمعنوي والروحي وظيفة رئيسيّة في النهوض بالفكر. أما
الغاية فتكون في إدراك الفوائد العلمية والآثار المعنوية التي يولدها عند القارئ، أكثر مما تكمن في الجوانب التسييسية
والمادية، على اعتبار أن "النص التراثي هو، على الحقيقة، "وحدة
تأنيسية" وليس وحدة تسييسية كما يعتقد "الفكرانيون""[48].
ويلتقي
الدارسون العقلانيون والايديولوجيون في الاشتغال بمضامين التراث من دون آلياته، فأدى
بهم الأمر إلى اتخاذ موقف تفاضلي واجتزائي من التراث يبرر منطلقاتهم ومسلماتهم،
لكنه لا يسائل الحقيقة في ذاتها. فالآليات لا تصلح للنظر الموضوعي لأنها" آليات
استهلاكية، أي أدوات مفصولة عن أسباب إنتاجيّة هذه المضامين، ومنقولة إليها من
غيرها نقلا."[49] ويتخذ
طه عبد الرحمان نموذجا يبين أخطاء هؤلاء يتمثل في أعمال محمد عابد الجابري ، فهو
يقول:"وعليه فلا يمكن أن تكون الوسائل الواصفة التي استخدمها الجابري في
الخطاب التراثي بصدد الآليات الإنتاجية من جنس هذه الآليات التحتية، وإنما هي
مستمدة من التراث الآلي الغربي"[50].
أما
بعض الأخطاء الأخرى التي وقع فيها "العقلانيون التقليديون" فتعود إلى
أحكامهم من العلم في صلته بالقيم وإغراقهم في النزعة التجريدية التي تقطع معها. ويسعى
طه عبد الرحمان إلى استبدال هذه الرؤية بموقف يعيد الصلة بين العلم والقيم وبين
الذات والموضوع، وهو أشبه ما يكون بنظرية وحدة الوجود كما جاءت في طرح سبينوزا، والمتصوفة
القائلين بذلك. فيبني إدعاءه كالآتي:"إذا علمنا أن القيمة لا تنفصل عن العقل
ولا عن الواقع وأن الحدود بين الذاتي والموضوعي ليست بأوصاف الوضوح والأحكام
والقطع التي يزعمها، أمكننا أن نتصور توجه الباحثين المعاصرين إلى النظر في وسائل
استثمار هذا التداخل بين القيم العلمية والظواهر الواقعية."[51] وهكذا
تكون عقلانية التراث عقلانية تجمع بين القيم الخلقية والوقائع الكونية. وتتميّز
تلك العقلانية بتداخل القيمة الحوارية والصواب، أو "خاصيّة
التناظر التي يتميّز بها التراث والتي تتجلى في اشتراك الجماعة من العلماء والنظار
في طلب الصواب والظفر بالحقيقة."[52] وعندما
نتأمل النموذج الحواري الإسلامي، يتبين لنا أن العقلانية التي ينبني عليها لا يمكن
أن تقاس بمعايير العقلانية؛ فهذه ثمرة العقل المجرّد بينما العقلانية التناظرية هي
ثمرة ما يصطلح عليه بـ"المعاقلة الحية". والمعاقلة تختلف عن العقل من
الوجوه التالية: فهي ليست جوهرا قائما بالنفس الإنسانية، وإنما فعالية يدخل فيها
الإنسان عندما يتجه إلى طلب الصواب. كما أنها فعل يحصل بالتعاون والتشارك مع
الغير. ثم إن المعاقلة متجهة إلى العمل.
*حدود منهجية طه عبد الرحمان
يبني
طه عبد الرحمان منهجه على أساس المراوحة بين الموقف الإيماني والتحليل الداخلي في
فهم التراث. ويماهي بين المعرفة التراثية والحقيقة الدينية. وهكذا يكشف هذا
التصوّر عن قدسية اللغة التي كتب بها التراث، بيد أن الرؤية الموضوعية تميّز بدقة
بين الجانب العقائدئ والجانب المعرفي. فالتأويل الموضوعي للنص القرآني مثلا يفرض
التعامل معه على أساس كونه بنية لسانية مغلقة، ويتضمن حقائق توصف بالتاريخية.
أما
من جهة النظرة الشمولية في تقويم التراث فمن المفترض إخضاعه للتحليل والتفكيك
والتفصيل. ونجد ما يؤيد هذا الموقف حتى من داخل هذه المعرفة التراثية إذ يقول عبد القاهر الجرجاني:"واعلم أنك لا تشفي العلّة ولا تنتهي إلى
ثلج اليقين، حتى تتجاوز حد العلم بالشيء مجملا، إلى العلم به مفصّلا، وحتى لا
يقنعك إلا النظر في زواياه، والتغلغل في مكامنه، وحتى تكون تتبع الماء حتى تعرف
منبعه، وانتهى في البحث عن جوهر العود الذي يُصنع فيه إلى أن يعرف منبته، ومجرى
عروق الشجر الذي هو منه."[53]
وهكذا يمكن أن نتبنى مناهج تتوافق مع حقيقة المعرفة التي يتضمنها التراث وتنفتح
على المنهجية العلمية والحداثية، فالغاية من مقاربة النصوص هي غاية
"تداولية" ومنفعية بالأساس.
2-الموقف الداعي إلى تطبيق
العلوم الإنسانية
تستوجب
القراءة الحديثة للتراث ضرورة الأخذ بعين الاعتبار لما تأتي به العلوم والعلوم
الإنسانية من جديد قصد تحيين المعارف والقطع مع الموقف التبجيلي للتراث وترسيخ
القراءة النقدية. فالمعرفة لم تعد موضوع النقد، بل صارت هي النقد. كما عمّقت
العلوم الإنسانية النزعة النقدية التي ستترك أثرها في التعامل مع النصوص فقد
" كانت صيغة العقل الغربي الأولى، والتي منحته الريادة والقيادة، أنه هو
العقل الذي ينقد دائما، وأول ما ينقده هو ذاته. يتميّز بالقدرة على التمفصل مع
مبادئه وأفكاره. لا يغرق في منتجاته، بقدرما يغوص في آليات إنتاجه نفسها.[54] وتنتظر
الفكر العربي عدة رهانات وأهمها تحقيق القطيعة مع المنهجية التقليدية في فهم
الظواهر وإدراجها في صميم بنيته حتى يتجاوز منطقة كل ما فكّر فيه. وهكذا يكشف
ضرورة القطيعة الشاملة مع كل تراث الجاهزية في طبيعة الأجوبة ...أن يواجه ذاته
بفكرة عن اللامفكر به لم تخطر بباله من قبل. ومن ثمة تجديد أسئلته لأن"الخطاب
الثقافي السائد يسمي مكروراته بدائل، وإجراءاته اختيارات...ههنا ليس السؤال معصية،
ولكنه مصادر أصلا لحساب أنظمة الأجوبة الجاهزة المتوافرة في كل مكان"[55]. ويكشف
تطبيق مناهج العلوم الإنسانية على المسلمات المعرفية التي تحول دون المقاربة
النقدية، "فالخطاب الفكري العربي الجاهز حافل بالأجوبة عن كل الأشياء، وليس
فيه سؤال واحد...يهاجم العالم بكل اليقينيات والوثوقيات التي لديه قبل أن يطرح على
ذاته وعلى العالم من حوله، من يكون هو"[56].
أ-القطيعة المنهجية
بقدرما
تقطع الرؤية الحديثة مع المعرفة التراثية فإنها تلتقي مع الفكر الكوني، وتدرج في
نطاق العلم، وتنطلق من النظرية العلمية الحديثة، بما هي تراكم منظّم للعلم. ولعل
هذا الانفتاح يبرر إمكانية الاستفادة من منجزات العلوم الحديثة، لأن الغاية القصوى
من النظريات هي بناء نظام كوني للعلم لا ينحصر في مجال محدد، بل يشمل كل المواضيع
الممكنة. ولهذا يقول "هوركهايمر" :"إن الجهاز المفاهيمي نفسه المعد
لدراسة المادة الجامدة يصلح لترتيب عالم الحياة."[57] وقد
اقتدى بموقف ديكارت في قوله:"هذه السلاسل الطويلة من البراهين منحتني فرصة
تخيّل أن جميع الأشياء التي يمكن أن تطالها معرفة الناس تتلاحق بنفس الصورة."[58] وتفرض
هذه الرؤية منهجا يستمد قيمته من القطيعة مع التراث والاندراج في روح العصر، وتبني
بديهيات جديدة. وفي هذا السياق يقول عبد الله العروي:"عندما أتكلم عن المنهج
أعني في الواقع منطق الفكر الحديث بعد أن انفصل عن الفكر القديم. من يدعي أن كثرة
الكلام على المنهج تمنع من تطبيقه والاستفادة منه يغفل أن علامة الفكر الحديث هي
أنه يجعل من كل قضية مسألة معرفية؛ لا يوجد فكر حديث وبجانبه نقد، بل الفكر الحديث
كله نقد. هذه هي الثورة الكوبيرنيكية. فلا يكفي الكلام عليها، يجب الكلام
بها."[59]
ولم
تكن الدعوة إلى ضرورة القطيعة لاعتبارات ايديولوجية، بقدرما هي ضرورة ابستمولوجية.
فالعلم الحديث قطع مع البداهة الجاهزة والمسلمات القديمة. ويقول عبد الله العروي
في هذا السياق:"لا بد من امتلاك بداهة جديدة؛ وهذا لا يكون إلا بالقفز فوق
حاجز معرفي، حاجز تراكم المعلومات التقليدية. لا يفيد فيها أبدا النقد الجزئي، بل
ما يفيد هو طي الصفحة...وهذا ما أسميته ولا أزال أسميه بالقطيعة المنهجية."[60] وتكمن
قيمة تلك القطيعة في الوعي بتاريخية المعرفة التراثية و"دنيويتها"، ومن
ثمة نزع القداسة عن مضمونها. وهكذا تكون القطيعة فاتحة للانخراط في الحداثة؛ إذ يقول
عبد الله العروي:"إن هؤلاء المتخصّصين، عندما يتناولون موضوعا تراثيا،
يسايرون الاتجاه العام ولا يحاولون أبدا معاكسته. وفي هذه الحال كان من الطبيعي أن
لا يتضح في الأذهان أن مسألة المنهج ليست مسألة شكلية، مسألة مراجع وإحالات ونقاش
آراء بكيفية منتظمة ...بل هي قبل كل هذا مسألة قطيعة مع مضمون التراث. لا يستطيع
أحد أن يدعي أنه يدرس التراث دراسة علمية، موضوعية، إذا بقي هو...في مستوى ذلك
التراث. لابد له قبل كل شيء أن يعي ضرورية القطيعة وأن يقدم عليها. كم من باحث
يتكلم عليها كموضوع وهو نفسه غير قادر على تحقيقها؟ ...إذا نفى أو تجاهل ضرورة
القطيعة أصبحت جهوده تحقيقية تافهة. ومن أتفه ما يروج اليوم الفكرة القائلة أن لا
مشادة في المنهج، وكأن الاختلاف حول المنهج هو مجرد اختلاف في الرأي. كان هذا صحيح
في الماضي إذ كان يوجد إجماع على البديهيات. أما اليوم فلا مشادة وهي في المنهج،
لأنه اختبار بين بداهتين."[61]
وتحدد القطيعة المعرفية مقومات البحث الموضوعي، الذي من شروطه
التخلص من المناخ المعرفي القديم، ولا يتسنى له ذلك إلا بتوظيف مناهج العلوم
الإنسانية. ولهذا يقول العروي: "ينحصر البحث الموضوعي، عندنا وعند من سبقنا
على هذا الدرب، في منهجين: الأول تكويني يدرس نشأة النظائم الفكرية (المدارس،
الاتجاهات، التيارات...) ويعتمد أساسا على المادة المخزونة في كتب الطبقات. والثاني
تفكيكي ينطلق من النظيمة الكونيّة والمنسقة ليكسرها إلى أجزاء ويرد كل جزء إلى
أصله."[62]
أما المنهج الأول فيماثل "تاريخ الأفكار" في حين يشترك الثاني في أسسه
المعرفية مع علمي اللسانيات والمنطق؛ وهذان المنهجان يؤسسان قواعد البحث الموضوعي،
فمن الضروري المزاوجة بين المنحيين التكويني والنسقي.
وينسجم موقف العروي مع عدة مواقف أخرى منادية بضرورة
الانفتاح على مناهج العلوم الإنسانية، والتخلص من الموقف التبجيلي للتراث. ونذكر
أعمال محمد أركون فهو يقول: "لا يكفي أن نعمل جردا شاملا للتراث، ثم نقف
منذهلين ومفتونين أمام غناه، إنه لأكثر حيوية أن نتساءل كيف نقرأه؟ أو كيف نعيد قراءته؟ إنه من غير
الممكن أن نقيم روابط حية مع التراث ما لم نتمثل أو نضطلع بمسؤولية الحداثة
كاملة"[63].
أما من وجهة النظر المنهجية فينبغي كشف العلاقة الضرورية بين المصير التاريخي
للمجتمعات العربية والإسلامية وتقدم الحداثة في الغرب. أي تقييم الحالة الراهنة
للإسلام وفهمها. ومن الضروري التخلص من فكرة المطالبة بتراث حي دائما، وحاضر دائما
لأنها ليست ممكنة إلا بمساعدة فرضية ايديولوجية تجهل، فعلا، مفهوم الانقطاع في
التاريخ[64]. ومن
غير الممكن الانغلاق على الذات وتناسي المسيرة التاريخية الطويلة لتطور العلوم
والفلسفة في الغرب منذ "النزعة الاسمية أو سيادة الذات المؤكدة عليها في
الكوجيتو أو حركة الإصلاح، إلى مرحلة تكوين سلطة روحية علمانية (ق18و19م)
والعقلانية التطبيقية، والوضعية مع التطرف الوضعي، والمادية الديالكتيكية
والتاريخية مع التطرف التاريخاني ((historicité والنسبيّة ثم تدمير
الذات...إلى أي حد يمكن للفكر الإسلامي أن يختصر هذا المسار الضخم الذي لم يساهم
في إنجاز أي جزء منه إلا بشكل متأخر؟"[65]. وهكذا لا
يمكن من الناحية المنهجية التغافل عن مسار الحداثة وما شهدته العلوم الإنسانية من
فتوحات علمية كبيرة، لابد من الاستفادة منها وتوظيفها في فهم التراث ومستجدات
الواقع.
ب-توظيف علوم الإنسان والمجتمع
في فهم التراث
ينطلق
محمد أركون من وجوب الانخراط في تيار الحداثة ووجوب تطبيق علوم الإنسان والمجتمع على
التراث العربي الإسلامي. وهو ما يوسع من مدلولات العلم ومصطلحاته، ومن ذلك قول
"جون كانغيلم":"أن تستغل مصطلحا فهذا يعني أن تنوع من امتداده
وفهمه، أن تعمّمه بدمج (أو إضفاء) الملامح الاستثنائية، وأن تصدّره خارج منطقته
الأصلية وأن تتخذه كنموذج (موديل) باختصار أن تمنحه تدريجيا وبواسطة تحولات منظمة
وظيفة شكل ما."[66]
ويدقق أركون المقصود من العلوم
الإنسانية في قوله:"نلاحظ أن الكثير من أنواع الخلط والفوضى السهلة قد فرضت
نفسها في كل مكان بين هذه العلوم والباحثين المجددين الذين يمارسونها منذ الستينات
وبين العلوم الأخرى التي لا تزال تحمل الاسم نفسه ...لا يزال هناك خلط بين الصورة
الجديدة والابتكارية لهذه العلوم وبين صورته التقليدية السابقة."[67] وهكذا
يوجد فرق بين علم التاريخ في صورته التقليدية القائمة على دراسة الوقائع والأحداث،
و"التاريخ الجديد" بالصيغة التي تمارسها مدرسة الحوليات، كما أن هناك
فارقا بين علم النحو وفقه اللغة واللسانيات. وينبّه أركون إلى صعوبة تطبيق هذه
العلوم ليس لأسباب معرفية فقط، بل لما تلقى هذه العلوم من رفض لدى المتمسكين
بالعقلية القروسطية. فأركون يقترح، على سبيل المثال، قراءة سورة التوبة بتوظيف
مفهوم التاريخية بدل "أسباب النزول" الرائج في مصنفات علوم القرآن.[68]
ويجري المخطط السيميائي على النص ويعتبر "الآية وحدة سردية صغيرة مندمجة في
الوحدة المركزية الكبرى المتمثلة بحكاية الميثاق الأولي الذي ربط بين آدم
والله."[69]
ويضع أركون عدة شروط لإنتاج خطاب مغاير يستفيد من منجزات المعرفة
الحديثة، وأهمها إعادة الاعتبار للمتخيل والشفوي والقطع مع طريقة الإسلاميات
الكلاسيكية والمواقف التقليدية التي تشترك في عدة أخطاء، أهمها. "إهمال
الممارسة أو التعبير الشفوي للإسلام، خصوصا عند الشعوب التي لها كتابة مثل البربر
والأفارقة" ومن هنا المزاوجة بين الثقافة العالمة أو الرسمية والثقافة
العامة. و"إهمال المعيش غير المكتوب
وغير المقال حتى عند هؤلاء الذين يستطيعوا أن يكتبوا." وفي ذلك إعادة الاعتبار للمخيال الاجتماعي
والواقع التاريخي الحي، والعقل الشفوي. وإهمال المعيش غير المكتوب لكن المحكي [70] . ولعل هذه الاعتبارات المنهجية تدقيق المعرفة
التراثية أو التراث بالجمع أو التراثات الإسلامية التي راحت تكرس "المزايدة
المحاكاتية" للسنة النبوية وإعادة إنتاج "نموذج العمل التاريخي"
للرسول، فكانت كل جماعة تدعي تمثيلها لذلك النموذج أو الانفراد بالحقيقة الدينية.
وقد آل الأمر إلى "إهمال المؤلفات والكتابات المتعلقة بالإسلام المنظور إليه
بأنه "غير نموذجي أو تمثيلي". وهكذا تستمر الكثرة الساحقة من علماء
الإسلاميات بالاهتمام فقط بإسلام الأغلبية المدعو "أرثوذكسي" (السني)
الذي هو في الحقيقة ليس إلا تنظيرا دوغمائيا جاء في سلسلة من الأعمال المنجزة
تاريخيا."[71]
وهكذا انحصر تصور الإسلام في "النصوص النموذجية" وفي التراث الرسمي
فاستبعدت الأنظمة السيميائية غير اللغوية التي تشكل الحقل الديني أو المرتبط به
مثل المثيولوجيات والشعائر. وتشير الباحثة "جوليا كريستيفا" إلى أهمية السيميولوجيا التي يمكن "أن تدرس كل الأنظمة اللسانية وغير اللسانية
بما هي لسان، أي بما هي أنظمة حيث تتمفصل العلامات فيها إلى تراكيب خلافية، فهي
موضوع علم واسع بدأ يتشكل بصعوبة."[72] كما ساهمت تلك المسلمات القديمة في تهميش الفنون؛ كتنظيم المدن وفن العمارة
وفن الرسم، وقلصت البنى الرمزية والتمثلات المخيالية وبنى القرابة[73].
ويمكن إدراك تلك البنى باعتماد "المنهجية التقدمية-التراجعية"، أو
التعامل مع الإنتاج الديني تعاملا علميا يقوم على التخلص من النظرة الإيمانية،
وتوخي ما يمكن نعته "بالإلحاد المنهجي" بعبارة "بيتر برجر"(P.Berger)[74]. وتأثر المنهج العلمي في
مقاربة الإنتاج الديني برؤية تكاملية تجمع بين المادي والرمزي وبين العقلاني
والخيالي والشفوي والمكتوب، بالقياس إلى الصلات الممكنة بين هذه الأقطاب[75].
وفي هذا الصدد يقول بيير بورديو :"يوجد تطابق بين البنية الاجتماعية والبنيات
الذهنية، بين التقسيمات الموضوعية للعالم الاجتماعي...ومبادئ النظر والتقسيم التي
يطبقها الفاعلون على تلك التقسيمات...إن مقولات الفهم التي هي قوام التمثلات
الاجتماعية تنتظم وفق البنيات الاجتماعية لدى الجماعة."[76].
وتسمح هذه الرؤية بفتح أفق النظر في الأبعاد المنسية للإسلام والقائمة على التفاعل المتبادل (أو التحكم
المتبادل) ما بين الإسلام كظاهرة دينية وبين كل المستويات الأخرى للوجود الإنساني
(اقتصاد وسياسة وعلاقات اجتماعية...) التي لم تدرس الآن إلا بطريقة استثنائية
وسريعة. وهكذا تكون التمثلات الذهنية ناتجة عن تعرض الفاعلين للإكراهات الاجتماعية
بشكل دوري. مما يعطي للسياق التاريخي والاجتماعي وظائف مهمة، فهي ليست مجرد فضاء
فارغ تجري فيه الأحداث بقدرما يكيف رؤية الكائن لذاته وللعالم. ولهذا يقول
"بورديو":"إن الأخاطيط الذهنية تنتج عن تقمص التقسيمات الاجتماعية. إذ أن التعرض
المتكرر لشروط اجتماعية معينة يطبع في أحضان الأفراد مجموعة من الاستعدادات
الدائمة والقابلة للنقل، والتي هي استدخال لضرورة محيطهم الاجتماعي، مسجلا بذلك
داخل العضوية الجمود المتبنين للواقع الخارجي وإكراهاته"[77].
ومن شأن هذه القراءة القطع مع التقويم التبجيلي والتصورات اللاتاريخية التي لا تراعي
التفاعل مع البيئة التي أنتجت المنظومة الدينية. ويحرص أركون على ضرورة الاستفادة
من المناهج السوسيولوجية في قراءة النصوص، بالرغم من أن "تطبيق المناهج الجديدة
للعلوم الإنسانية التي ظهرت أو تبلورت بعد سني الخمسينات على الإسلام بقي في إطار
المحاولات الخجولة والجزئية، إن لم يكن هناك رفض مقصود. إن مقارنة الإسلاميات
الكلاسيكية بالمراجعات التي أثارتها أعمال كلود ليفي شتراوس هي هنا ذات دلالة
واضحة."[78]
وتمكن المراجعات الحديثة من الكشف عما تحتويه المنظومة الرمزية من مواقف سياسية أو
ايديولوجية لأن" التطابق بين البنيات الذهنية
والبنيات الاجتماعية يقوم بوظائف سياسية. فالأنساق الرمزية ليست مجرد وسائل
للمعرفة، بل إنها أيضا وسائل للسيطرة. (أي إنها ايديولوجيات
في معجم ماركس، وتبريرات للوجود الإلهي حسب فيبر)."[79]
وعبرت المدونة التاريخية عن هذا التطابق الذي وجد
في تحالف الكتابة مع السلطة. إذ يقول أركون" كل كتب التاريخ (الخطاب
التاريخي) الكلاسيكية كانت تشغل وظيفة ايديولوجية أكثر بكثير منها كوظيفة معرفية
يمكن أيضا ذكر الكتابات الغريزية المؤرخة للبدع (hérésiographique) "[80] . وتتيح المعرفة النقدية
الوقوف على سلبيات المقاربة التقليدية التي تسعى إلى إعادة إنتاج التراث والاحتفاظ
بالمنطلقات المعرفية التي انطلق منها القدامى، وتهيمن عليها الوثوقية وغياب الحس
التاريخي. ويقترح أركون منهجية جديدة في تقويم الفكر الإسلامي تعتمد بالأساس مناهج
العلوم الإنسانية وهي الإسلاميات التطبيقية، وتتجاوز المنحى التقليدي الوثوقي،
والرؤية الاستشراقية القائمة على النزعة التاريخانية والمنحى الفيلولوجي في الوقت
نفسه، وترتكز على توظيف العلوم الإنسانية.
*مفهوم الإسلاميات التطبيقية
تستند الإسلاميات التطبيقية على مناهج العلوم الإنسانية، وتعقد
الصلة بين النظرية والتطبيق. إذ يقول"روجي باستيد": "إن الروابط ما
بين العلم والتطبيق أو على الأقل التصور الذي نكونه عن هذه الروابط كانت قد عدّلت
بشكل عميق (وجذري) منذ النموذج الذي قدمه ديكارت في كتابه "مقال في
المنهج" وحتى النموذج الذي أعطاه كارل ماركس ينبغي علينا إذن أن يبتدئ بتحديد
موضوع الأنثربولوجيا التطبيقية في مكان ما بين هذين النموذجين المتضادين."[81] وبالرغم
من أهمية المراجعات التي قام بها العقل الحديث، وبالرغم من تغير شروط ممارسة الفكر العلمي في الغرب لم يشعر
الفكر الإسلامي بعدم كفاية النزعة التقليدية في قراءة النصوص واستمر في الارتكاز،
وإلى حد كبير، على المسلمات المعرفية (ابيستمي) للقرون الوسطى. فهو "يخلط بين
الميثي والتاريخي، ثم يقوم بعملية تكريس دوغمائية للقيم الأخلاقية والدينية وتأكيد
تيولوجي لتفوقيّة المؤمن على غير المؤمن، وتقديس اللغة، ثم التركيز على قدسية
المعنى المرسل من قبل الله ووحدانيته معنويا. هذا المعنى الواضح والمحفوظ والمنقول
عن طريق الفقهاء بالإضافة إلى عقل أبدي وفوق تاريخي لأنه مغروس في كلام الله ومجهز
بأساس أنطولوجي يتجاوز كل تاريخية."[82]
أما الإسلاميات التطبيقية فتدرس الإسلام ضمن
منظورين متكاملين: باعتبارها إجراءً علميا يفكك الفكر الإسلامي قصد استبدال التراث الافتخاري والهجومي الطويل الذي
ميّز موقف الإسلام من الأديان الأخرى بالموقف المقارن. ويسعى علم الأديان المقارن
إلى "البحث في الظاهرة الدينية باعتبارها ظاهرة إنسانية كونية، وفي ماهية
الدين بالمعنى المطلق للكلمة، وعن القواسم المشتركة بين الأديان ...وفي الوظائف
التي يؤديها الدين، وفي أشكال التدين في ضوء التاريخ والاجتماع والأنتربولوجيا
سواء في صلب الديانة الواحدة أو فيما بين الأديان."[83] وبهذا
نفهم الدين على أنه "تعبير وجودي وضرورة أنتربولوجية لدى الكائن البشري في
علاقته بالحياة وما بعد الحياة."[84] وهكذا
لا يمكن بناء فهم جديد إلا بالقطع مع اليقين السائد. فالأمر يتطلب جهدا كبيرا من
أجل تحرير الفكر الإسلامي، من المسلمات الوثوقية ومن ذهنية التحريم الناتجة عن
"التضامن الايديولوجي بين الدولة والدين "المستقيم" أو
الأرثوذكسي" وطبقة علماء الدين المحتكرين لإدارة ذهنية التحريم أو التقديس
على حد تعبير ماكس فيبر."[85] فمهمة
نقد العقل الإسلامي تتمثل في الكشف عن العوائق التي تحول دون التقدم. ولهذا يقول
أركون:"إن الصعوبة الكبرى التي تواجهنا هنا تكمن في كيفية تحرير العقل النقدي
من القيود الابستيمولوجية التي فرضها العقل الدوغمائي على جميع الممارسات الفكرية
والثقافية."[86]
.وتستوجب هذه الممارسة ضرورة التحليل التفكيكي والإيضاحي والنقدي عن كل الأنظمة
العقائدية واللاعقائدية وكل التركيبات اللاهوتية والتشريعية الموروثة. ويقول أركون
في هذا السياق:"إني أبحث باستمرار عن آفاق جديدة لتأويل التراث، وذلك عن طريق
التفكيك المنهجي والنقدي- التراجعي لأطر الفهم والمعرفة التقليدية المقدسة من قبل
الزمن."[87]
وهكذا
لا يمكن أن يتقدم الفكر العلمي إلا بتهديم المعارف الراسخة كما يقول
"باشلار". ويقتضي تحديث الفكر الإسلامي إعادة قراءة ما أنتجه من معرفة
محكومة بمسلمات الفضاء الفكري للقرون الوسطى، أو مراجعة ما عبّر عنه
"باشلار" بـ"التوجه الابستيمولوجي"[88]. ولا يمكن
أن يتحقق هذا الأمر إلا بالقطع مع المناهج التقليدية وتبني مناهج العلوم الإنسانية
وأهمها الأنثربولوجيا الدينية التي تقتضي إعادة قراءة القرآن ومن ثمة يخضع لمحك
النقد التاريخي المقارن، والتحليل اللساني والتفكيكي، والتأمل الفلسفي المتعلق
بإنتاج المعنى وتوسعاته وتحولاته على اعتبار أن "المعنى الحقيقي للنص
يتعلق دائما بالسياق التاريخي للمؤول"[89] كما
يختلف عمل التأويل أو "الهيرمنيوطيقا" عن عمل المفسّر.[90]
وتركز الهرمنيوطيقا على علاقة المفسر بالنص بشكل أساسي، وما النص سوى وسيط لغوي
ينقل فكر المؤلف إلى القارئ الذي "يقوم بإعادة بناء تاريخية موضوعية
للنص"[91].
وتتجدد الأسئلة حول
النص باستمرار فالبحث فيه هو بمثابة الإقامة في السؤال، لأنه مفتوح على الدوام على
قضايا مستحدثة. ولم يعد المتلقي مجرد منفعل بالنص بقدرما أصبح فاعلا فيه، أو هو
بعبارة "أمبرتو إيكو" "قارئ نموذجي"" فهو يقول:"إنه
يصير من البديهي أن يفعّل القارئ مضمونه (النص) عبر سلسلة بالغة التعقيد من الحركات
التعاضدية."[92]وهكذا
يشارك القارئ في إنتاج الدلالة، أي إثارة الأسئلة المولدة للدلالة مما يجعل مهمة
تأويل النص مفتوحة على المجهول. والعلاقة بين القارئ والنص "علاقة جدلية،
تستدعي من كل واحد منهما طرحه ثم تنغلق عليه، فيكون حضورهما فيها حتما لا ينقضي،
ويكون وجودهما بقاء لا يتناهى."[93]
ومن ملامح تلك الجدلية تجدد عملية الفهم بتجدد الأسئلة. ولهذا فإن "عالم
القرآن يصطدم بأسئلة تطرح عليه من داخل نص الوحي أو من خارجه، فيسعى إلى تبريرها،
لكن فعله هذا من شأنه أن يعقّد المسألة أكثر لأنه يثير أسئلة أخرى قد تكون أكثر
إلحاحا من السؤال الذي أراد أن يوجد له جوابا، فالسؤال في نصوص علوم القرآن لا
يولّد جوابا بقدرما ينشئ أسئلة أخرى كثيرة."[94] ويثير
تطبيق العلوم الإنسانية عدة حقائق تصدم المنحى الوثوقي، فالانتربولوجيا تخضع النص
القرآني إلى المقارنة مع غيره من النصوص الدينية التي تعتبر ذات بنية أسطورية تجسد
رؤية القدامى للغة. ومن زاوية سيميائية فإنّ "العديد من
الأساطير العملية والمعتقد فيه تكوّن رؤية اللغة لدى القدامى"[95].
وتعود مزية مناهج
العلوم الإنسانية إلى كونها تفتح البحث على التجدد، لأنها تسعى إلى هدم المسلمات
الدوغمائية التي كان الفكر التقليدي يحرص على تثبيتها وإعادة إنتاجها لأنها تتضمن
رؤية تبجيلية للذات تكرس أفضلية المؤمن على غيره. ولهذا يرى أركون وجوب الاهتمام بنقد العقل التيولوجي والفكر الديني
المنبثق من الأديان الثلاثة الذي اشتغل في شكل نظام ثقافي يرفض الآخرين، ويغذي
الصراعات الايديولوجية بين المجتمعات الكتابية.
ويلح
أركون على فكرة دراسة الإسلام ، كأي دين آخر، في ضوء التواصل بين الدين والدنيا
على أساس أنه "جسد مؤلف من عدة عوامل لا تنفصم؛ العامل النفساني (الفردي
والجماعي) والعامل التاريخي (تطور المجتمعات الإسلامية) والعامل السوسيولوجي (أي
محل الإسلام ضمن "نظام العمل التاريخي" لكل مجتمع، وانعكاس مصير هذه
المجتمعات على الإسلام كدين) والعامل الثقافي (فن وأدب وفكر)...ممارسة الإسلام
وتقييمه "كدين ودنيا" لا ينفصمان"[96]. ونلاحظ
أثر المنهجية الانتروبولوجية المستمدة من أعمال "ليفي-شتراوس" والمستمدة
في كثير منها من لسانيات سوسير البنيوية[97]. فمجمل
عمل ليفي-شتراوس يقوم على إثبات أن مفهوم التقدم ممكن ، وعلى إحداث نتائج مكتسبة
بنفس الصرامة التي أحرزت بها الألسنية نتائجها. ويمكن أن تتحول المنطلقات اللسانية
إلى نموذج لمعالجة الأمور الاجتماعية والثقافية، ولهذا يقول "ليفي-شتراوس":"
إن ظواهر القربى على مستوى آخر من الواقع هي ظواهر من نمط واحد مع الظواهر
الألسنية. فهل يمكن لعالم الاجتماع باستعماله طريقة مماثلة شكلا (وإلا مضمونا)
لتلك التي أدخلتها الصواتية أن يدفع علمه في تقدم مماثل لذلك الذي تحقق في العلوم
الألسنية."[98]
وهكذا تقطع النظرية البنيوية مع فكرة إيجاد قوانين تتحكم في الأشياء من الخارج،
والكف عن البحث ماوراء العالم عن قوانين تتحكم فيه. فالبنية هي" الطريقة التي
تكون أجزاء أي كلّ أو مادة معدنية، أو جسم حي، أو عمل في الصناعة البشرية، منسقة
بين بعضها بعضا. البنية بهذا المعنى الأوّل ليست إذن شيئا غير ما يكتشفه تحليل
داخلي للعناصر، وللعلاقات بين هذه العناصر، ثم ضبط لهذه العلاقات نفسها. والحال أن
التحليل يدل على أنه بين هذه العلاقات، ثمة ما هو أساسي، وما هو ثانوي أو
تابع."[99]
والبنية باعتبارها تنظيما هي هيكل الموضوع أو التصميم الذي على أساسه والعلاقة بين العناصر التي يتركبان منها جميعا،
وهي التنسيق والتنظيم.
وتستند
البنيوية إلى ضرورة أن "نسلّم بأن المجموعات المختلفة يمكن تقريبها بفضل
فروقاتها التي نحاول عندها أن نرتبها. أما أركان القرابة فهي مثل الدلالة اللفظية
لا تكتسب دلالة اجتماعية إلا بشرط أن تتكامل في أنظمة...وعلى غرار الأنظمة
الصواتية أيضا."[100] كما
"إن تنوع العلاقات الممكنة في مجالات العلاقات البنى-الفردية، هي عمليا
لامحدودة، كذلك الأمر بالنسبة إلى تنوع الأصوات التي يمكن أن ينطق بها الجهاز
الصوتي."[101]
وبفضل أبحاث القرابة يمكن الكشف عن شتى أنواع التحالفات والمصاهرات والعصبيات التي
كانت متحكمة في المجال الإسلامي، والانتهاء إلى وضع تأويلي جديد يختلف تماما عن
نتائج الإسلاميات الكلاسيكية. وبهذا يمكن تحرير الفكر الإسلامي من المحرّمات العتيقة
والميثولوجيات البالية ومن الايديولوجيات الناشئة حديثا. كما تسهم الإسلاميات
التطبيقية في نزع الأسطرة عن الواقع، ونزع القداسة عن التراث الديني. وهي مهمة
تشبه وظيفة المعرفة الاجتماعية إذ يرى "بورديو" أن مهمة عالم
الاجتماع تتمثل في نزع الصفة الطبيعية والصفة الجبرية عن العالم الاجتماعي، أي
تدمير الأساطير التي تستر ممارسة السلطة وتخلد السيطرة...وإعادة بناء مجال
الإكراهات الذي يحدّد تلك السلوكات.[102]
وبفضل العلوم الإنسانية –والبنيوية على وجه الخصوص – تم تحرير الفكر الإنساني من
البحث عن قوانين تحكم الواقع من خارج العالم. ولهذا يقول مطاع صفدي:"إن سيادة مفهوم العلاقة يشير إلى انقلاب ثقافي
حضاري ربما كان الأهم في تاريخ المعرفة الإنسانية، إذ أصبح العقل بواسطته منصرفا
إلى اكتشاف شبكية العلاقات بين الظاهرات. وغدا العالم بذلك هو عالم الظواهر بديلا
عن الجواهر."[103] كما
تقر المنهجية الإنسانية بالتفاعل بين البنى والسياق الذي أنتجها، أو بين عالم النص
وخارجه أو ما عبر عنه "جيرار جينات" بـ"المتعاليات
النصية"[104].
وبالرغم
من الاستفادة الهامة التي حققها الفكر العربي الحديث والمعاصر فإن تلك الاستفادة
لم تبلغ الدرجة المرجوة. فالمنحى الايديولوجي لا يزال مسيطرا على العديد من
المقاربات وهكذا يحمّل النص بدلالات نضالية لا يتضمنها. أما درجة تملك العلوم
الإنسانية لدى الدارسين المعاصرين فهي لا ترتقي إلى حدود التمكّن، ولهذا فإن
النصوص مازالت عصية على الفهم العميق. ويحتم هذا الأمر ضرورة توسيع "الدائرة
التأويلية" في فهم النصوص والتسليم باستقلالية معانيها وتعدد مستوياتها. ولهذا
لا بد من تأويلية جديدة ينشأ فيها المعنى من "الصلة بين الكلمة والتجربة."[105]
هذه التأويلية تحد من تعالي المعنى ومفارقته ولاتاريخيته.
خـاتمـة
يكاد يسلم الجميع بأن العلوم الإنسانية قد
حققت عدة فتوحات معرفية، يمكن وسمها بالثورة العلمية، التي تتماشى مع سياق الحداثة.
لكن هذا المعطى لا يحجب عنا أزمة العقل الذي أنتجها. فالعقل الغربي بدأ يشهد هزّات
ناتجة عن تقلص "ثقافة الأنسنة" " لأنّ تطور الثقافة العلمية سيحدد
ليس فقط "القطيعة الابستيمولوجية" بين الفلسفة والعلم، ولكن أيضا قطيعة
أنطولوجية بين الثقافة العلمية وثقافة الأنسنة."[106] وتكمن
المفارقة بين الفكر الغربي والثقافة الإسلامية في أن هذا العقل بالغ في نزعته
المادية وانصرافه عن القيم، بينما يغالي الفكر الإسلامي من منحاه الروحي وانقطاعه
عن المحسوس. ولهذا لا بد من الاهتداء إلى موقف يوظف مناهج العلوم الإنسانية ويلتزم
بموقف موضوعي وعلمي يأخذ بعين الاعتبار سياق الحداثة ويعمق الوعي التاريخي قصد
الانخراط الفاعل في روح العصر.
المصادر و المراجع
أبو
زيد(نصر حامد)، إشكالية القراءة وآليات التأويل،
ط3، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1994
أركون(محمد)، الإسلام،
الأخلاق والسياسة، ترجمة هاشم صالح، ط1، مركز الإنماء القومي، بيروت1990
- تاريخية الفكر العربي الإسلامي،
ترجمة هاشم صالح، ط1، مركز الإنماء القومي، بيروت 1986
- الفكر الإسلامي قراءة علمية، ترجمة هاشم
صالح، مركز الإنماء القومي، بيروت 1987
- قضايا في نقد العقل الديني، كيف نفهم الإسلام
اليوم؟ ترجمة هاشم صالح، ط2، دار الطليعة، بيروت2000
-
معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية، ترجمة هاشم صالح، ط1، دار الساقي،
2001
أمزيان(محمد
محمد) منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية
والمعيارية، ط1، المعهد العلمي للفكر الإسلامي، الولايات المتحدة الأمريكية، 1981
إيكو(أمبرتو)
القارئ في الحكاية، التعاضد التأويلي في
النصوص الحكائية، ترجمة أنطوان أبو زيد، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء
بوانكاري
(هنري) قيمة العلم، ترجمة الميلودي شغموم، ط1،
دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت 1982
بورديو
(بيير) و ج.د . فاكونت، أسئلة علم الاجتماع في علم الاجتماع
الانعكاسي، ترجمة عبد الجليل الكور، ط1، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء1997
الجرجاني)عبد القاهر( دلائل
الإعجاز، تحقيق محمود شاكر، منشورات الخانجي، القاهرة
دريفوس(أويير)
وبول رابينوف، ميشيل فوكو مسيرة فلسفية، ترجمة جورج
أبي صالح، مركز الإنماء القومي، بيروت
الشرفي(عبد المجيد) لبنات، دار الجنوب للنشر، تونس
1994
صفدي(مطاع)
نقد العقل الغربي الحداثة وما بعد الحداثة، مركز الإنماء القومي، بيروت
طاع
الله (محمد) التأصيل البياني لفقه الشريعة
وإشكالياته، ط1، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان 2000
عبد
الرحمان(طه) تجديد المنهج في تقويم التراث، ط1,
المركز الثقافي العربي, الدار البيضاء،1994
- في أصول الحوار وتجديد علم
الكلام، ط3، المركز الثقافي العربي، الرباط، 2007
العروي(عبد
الله) مفهوم العقل مقالة في المفارقات، ط2،
المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1999
عياشي(منذر) الكتابة الثانية وفاتحة المتعة، ط1، المركز الثقافي
العربي، الدار البيضاء 1998
فوكو(ميشيل)
حفريات
المعرفة، ترجمة سالم يافوت، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء
-المسعودي(حمادي)، الوحي من
التنزيل إلى التدوين، ط1، دار سحر للنشر، تونس
هوركهايمر(ماكس)
النظرية التقليدية والنظرية النقدية، ترجمة مصطفى الناوي، ط1،عيون المقالات، الدار
البيضاء 1990
مقالات
دوفينيو (جان )" نشأة العلوم الإنسانية، تساؤلات الفكر المعاصر"، ترجمة محمد
سبيلا، دار الأمان للنشر، الرباط
زيناتي(جورج)
"تأثير البنيوية في الفلسفة، الفلسفة الـ"بلا
مركز" عند جاك دريدا، الفكر العربي المعاصر، عدد6/7، 1980
السيد
(رضوان) "التيارات الحديثة في
الانتروبولوجيا والاجتماع" مجلة الفكر العربي المعاصر، معهد الإنماء العربي،
بيروت، العدد37/38 ، 1985
كويزنيه(جان)
"البنيوية"، الفكر العربي المعاصر، العدد 6/7، 1980
مراجع بالأعجمية
Bachlard(Gaston), La philosophie du Non, P.U.F, 1983
Bastide(Roger), Anthropologie Appliquée, Payot 1971
Dilthey(Wilheim), Intoduction à
l’étude des sciences humaines, P.F.U Paris 1942
Foucault (Michel), Naissance de La Clinique, Cérès Editions,
Gadamer(H.G),
Vérité et méthode, Editions Seuil
Genette(Gérard), Palimpsestes, Editions
du Seuil, Paris 1982
Grawitz (Madeleine), Méthodes des sciences siciales, 3ème
édition,Dalloz ,Paris1976
Lévi-Strauss(C),
Anthropologie structurale, Plon, Paris 1958
Morin(Edgar),
La Méthode, 4 Les Idées, Editions Seuil, Paris1991
Kristeva(Julia),
Le Langage cet inconnu, Une initiation à
la linguistique, Seuil,1981
Ricœur(Paul), Le conflit des interprétations essais d’herméneutique, Editions du Seuil,
Paris
Saucet(Michel),La Sémantique générale aujourd’hui, Edition le Couriet
de livre, Paris1987
[1]
اقترنت نشأة العلوم
الإنسانية في القرن 19 بالمشروع الوضعي الذي يقطع مع الخطاب الفلسفي التأملي في
دراسة الإنسان والتعامل معه بموضوعية عن طريق تطبيق النماذج التجريبية التي أكدت نجاحها
في العلوم الطبيعية . وفي هذا الصدد اعتبرت الظواهر الإنسانية " أشياء "
أي وقائع خارجية مستقلة عن ذات الباحث. وهذا ما يبينه عالم الاجتماع الفرنسي إميل
دوركهايم (1858-1917) علينا أن
نعتبر الظواهر الاجتماعية مستقلة عن الذوات الواعية، ندرسها من الخارج بوصفها
أشياء خارج الذات.
[2]
جورج زيناتي، "تأثير البنيوية في الفلسفة، الفلسفة الـ"بلا
مركز" عند جاك دريدا، الفكر العربي المعاصر، عدد6/7، 1980 ص ص 81- 84
[3]
"لقد احتاج ديكارت (في القرن
17م) إلى الضمانة الإلهية ليتأكد من صدق حقيقته (مثل هذا التساؤل الفلسفي كان الغزالي
قد طرحه في الفلسفة العربية). وجاء ادموند هوسرل في مطلع القرن العشرين ليستغني في
فينومينولوجيته عن مثل هذه الكفالة مستعيضا عنها بمجموعة التجارب الذاتية أو
مجموعة الذوات، أي الذات وذات الآخرين. فوضع الماهية الأخيرة بين قوسين، أي إنه
استغنى عن البحث عنها مشددا على المعيش أي على التجربة كما يعيشها الوعي
الذاتي." (جورج زيناتي، م، ن، ص 82)
[8]فوكو،حفريات المعرفة، ترجمة سالم
يافوت، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ص174 ""في الواقع، نفهم أنّ الابستيميه
مجمل العلاقات التي قد تربط، في وقت معين، بين الممارسات الخطابية التي تفسح مجالا
لأشكال ابستمولوجية ولعلوم، وعند الاقتضاء، لأنظمة مقعّدة [...] الابستيميه ليست
نوعا من المعرفة أو نمطا من العقلانية
يعبّر، باجتيازه العلوم الأكثر
تنوعا، عن الوحدة المطلقة لموضوع ما، لعقل ما أو لعصر ما؛ إنها مجمل
العلاقات التي يمكن اكتشافها بين العلوم، في وقت معين، عندما نحلّلها على مستوى
الانتظامات الخطابية"
[11]
يلاحظ "هنري بوانكاري" طغيان النسبية
على العلوم الصحيحة إذ يقول:"في الواقع الفيزيائي، السبب لا يؤدي إلى نتيجة،
إنما هناك كثرة من الأسباب المتمايزة تساهم في حدوث النتيجة من غير أن تكون لدينا
وسيلة لتمييز دور كل واحد منها."(هنري بوانكاري، قيمة العلم، ترجمة الميلودي
شغموم، ط1، دار التنوير للطباعة والنشر ، بيروت 1982ص 30) ويقول في مقام آخر
:"هل لدينا الحق في الحديث عن سبب ظاهرة؟ إذا كانت كل أجزاء الكون مترابطة
إلى حد ما فإن أية ظاهرة لن تكون نتيجة
سبب مفرد، وإنما محصلة أسباب لا نهاية لعددها، إنها ، كما يقال غالبا نتيجة حالة
الكون في لحظة سابقة."(م، ن، ص36)
[13]
بيير
بورديو، و(لويك ج.د.فاكونت)، أسئلة علم الاجتماع في علم الاجتماع الانعكاسي، ترجمة
عبد الجليل الكور،ط1، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ص 12
[17]
طه عبد الرحمان، تجديد المنهج في تقويم التراث، ط1, المركز
الثقافي العربي, الدار البيضاء1994 ص86 ينتقي طه عبد الرحمان مفهوم التهانوي من بين تلك
التعريفات وذلك لا يخلو من دلالة وأهمها القطع مع
التصور الغربي." إن ما يكون في حد
ذاته آلة لتحصيل غيره، لا بد أن يكون متعلقا بكيفيّة تحصيله فهو متعلق بكيفية
عمل."(التهانوي، كشاف مصطلحات الفنون، ج1 ص ص 5-6)
[20]
يقول طه عبد الرحمان :" الواقع أن التمكن من هذه
المناهج لم يكن من نصيبهم ولا التفنن في استخدامها كان طوع أيديهم، ولا ينكر ذلك
إلا من هو دونهم تمكّنا في العلم ودونهم
تفنّنا في العمل." (م، ن، 11)
[30]
طه عبد الرحمان، في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، ط3،
المركز الثقافي العربي، الرباط، 2007 ص 29
يقول طه عبد الرحمان:" إننا أردنا أن نجري دراستنا على قوانين اللغة
العربية في اصطناع أدوات البحث العلمي".
[31]
طه عبد الرحمان، في أصول الحوار، ص 29 يقول:" لقد غلب
على الباحثين العرب في وضع مصطلحاتهم العلمية وبناء أجهزتهم الوصفية والتفسيرية
الاشتغال بقوالب ومعايير اللغة الأجنبية...فلا نكاد نجد عند معظمهم من المعاني
العلمية إلا ما كان نقلا حرفيا لمصطلحات أجنبية من غير وعي بأصول بعضها النسبية،
وفائدتها المحدودة."
[34]
محمد محمد أمزيان، منهج البحث الاجتماعي بين
الوضعية والمعيارية، ط1، المعهد العلمي للفكر الإسلامي، الولايات المتحدة
الأمريكية، 1981 ص259
[43]
يركز طه عبد
الرحمان نقده على أعمال محمد عابد الجابري، ويبني مشروعه بالاعتماد على آليات
المعرفة التراثية فيضع بعض الفرضيات في توضيح المنهجية الحوارية مثل قوله:" سلّم بأن كل نص حامل لمضمون
مخصوص وأن كل مضمون مبني بوسائل معينة ومصوغ على كيفيات محددة بحيث لا يأتي
استيعاب المستويات المضمونية القريبة والبعيدة للنص إلا إذا أحيط علما بالوسائل
والكيفيات العامة والخاصة التي تدخل في بناء هذه المستويات المضمونية"(م، ن،
ص 23).
[44]
م، ن، ص،90 ، يتبنى طه عبد الرحمان موقف تكامل العلوم،
مستندا إلى مواقف القدامي مثل، ابن حزم في قوله:" العلوم كلها متعلق بعضها
ببعض ومحتاج بعضها إلى بعض" (ابن حزم، رسالة في مراتب العلوم، ص ص89-90)
والغزالي:" على المتعلم ألا
يخوض في فنون العلم دفعة بل يراعي الترتيب، فيبدأ بالأهم فالأهم. ولا يخوض في فن حتى يستوفي الفن الذي قبله، فإن
العلوم مرتبة ترتيبا ضروريا وبعضها طريق إلى بعض،
والموفّق مراعي ذلك الترتيب" (ميزان العمل). ويقول الغزالي على
المتعلم:"ألا يدع فنا من فنون العلم، ونوعا من أنواعه إلا وينظر فيه
نظرا يطّلع به على غايته ومقصده وطريقه...فإن العلوم كلها متعاونة مترابطة بعضها
ببعض، ويستفيد منه في الحال حتى لا يكون معاديا لذلك العلم بسبب جهله.
"(الغزالي، ميزان العمل).
[45]
م، ن، ص 25 يقول طه عبد الرحمان:" منهم من يقول النصوص الفلسفية
، ومنهم من يرى أنها هي النصوص الفقهية، ومنهم من يعتقد أنها النصوص اللغوية،
ومنهم من يذهب إلى أنها النصوص الكلامية...ثم ما كان من هذه النصوص واضح الانتساب
إلى العقلانية لزم في نظرهم تحقيقه والانتفاع به وفق مقتضيات الحداثة وشروط التطلع
إلى المستقبل، وما كان منها مجانبا أو مخاصما لهذه العقلانية وجب عندهم تركه؛ وإن
دعت الضرورة إلى تحقيقه تحت المقارنة والمقابلة فليجتزأ منه بعينات تؤخذ منها
العبرة، ويحصل بها الاتعاظ."
[57]
ماكس هوركهايمر، النظرية التقليدية والنظرية النقدية، ترجمة
مصطفى الناوي، ط1،عيون المقالات، الدار البيضاء 1990ص 6
[68]
م، ن، ص 91 يقول
أركون:"...أما المفهوم الحديث للتاريخية فإنه يتيح لنا بالضبط أن نفكر ونتأمل
بشروط صلاحية كل مرور من السبب-الذريعة إلى الحكم الشرعي الذي يقوم به الفقهاء، أقصد هنا الحكم القانوني
الذي يستند على الحكم الإلهي أو النبوي."
[73]
محمد أركون، الإسلام، الأخلاق والسياسة، ترجمة هاشم صالح،
ط1، مركز الإنماء القومي، بيروت1990 ص 52
يقول أركون:"الواقع أن البنى الأولية
للقرابة واستراتيجيات التحالف بين العائلات والعشائر والقبائل والنيات الطامحة
للسيطرة على جهاز الدولة كانت دائما أهم من الشعارات الإسلامية في كل الصراعات
التي جرت في تاريخ الإسلام"
[75]
حمادي المسعودي، الوحي من
التنزيل إلى التدوين، ط1، دار سحر للنشر، تونس ، ص 17 يقول الأستاذ حمادي المسعودي
في هذا الصدد:"إن جميع الأحداث الواردة في النص...تمت في إطار ثقافة شفوية
صرف، وقد أسهم الجسد بالحركات كرفع اليد وضرب الصدر وبالعلامات مثل علامات
الوجه...في تشكيل المشهد قبل التحول إلى نص مكتوب."
[76]
بيير بورديو و ج.د . فاكونت، أسئلة علم الاجتماع في علم
الاجتماع الانعكاسي، ترجمة عبد الجليل الكور، ط1، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء1997، ص 15
يشرح "روجي باستيد" هذا التعارض في
قوله:" النموذج الديكارتي"أن تفهم أو
أن تفهم أو أن تعرف= أن تتأهب للشيء من أجل السيطرة عليه." لكن "من أجل
أن تسيطر فإنه ينبغي البدء بالمعرفة أولا، لكنك لن تستطيع أن تعرف أو تفهم الشيء)
إلا بشرط أساسي: هو أن تتحرر ولو للحظة واحدة من هاجس السيطرة"
[83]
محمد طاع الله، التأصيل البياني لفقه الشريعة وإشكالياته، ط1،
منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقيروان، 2008 ص38
[85]
محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية،
ترجمة هاشم صالح، ط1، دار الساقي، 2001 ص 15
[90] Paul Ricœur, Le conflit des interprétations essais d’herméneutique, Editions du
Seuil, Paris, p8
[91] نصر حامد أبو زيد، إشكالية القراءة وآليات التأويل،
ط3، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1994ص 19
[97]
يرى سوسير أن النظام الألسني ليس لعبة تجميعية مركبة من
أجزاء وقطع يمكن تقديم جرد غير منظم لها، إنما في وحدة المقاربة الواحدة تكتشف
عناصر النظام.
[100] الفرق جلي بين اللغة
والقرابة، وظيفة اللغة هي في الحقيقة معروفة: إنها أداة اتصال والصواتية تعلمنا
الطريقة التي بفضلها يتوصل الكلام إلى هذه النتيجة؛ قبل الصواتية كانت الوظيفة
معروفة والنظام مجهولا، وفي حالة أنظمة القرابة ينعكس الوضع: كان معروفا منذ زمن
بعيد أن الأمر يتعلق بأنظمة، ولكن كنا نجهل أي فائدة كانت مكرسة. كان النسق ظاهرا
بطريقة مباشرة ولكن لم نكن نعرف الوظيفة.
[104] Genette(G), Palimpsestes,
Editions du Seuil, Paris 1982 p 16
