mardi 24 avril 2012

مواقف الفلاسفة والمفكرين المسلمين من العنف في المدينة ومحاولات تقنينه ج 2

           
مواقف الفلاسفة من العنف في المدينة ج2


   السيطرة على العنف والبديل الأخلاقي
 - في ماهية الأخلاق:
 اتّبع مسكويه في كتاب "الحكمة الخالدة " منهجا يدعو 
إلى " التهذيب والوعظ والإرشاد" فبحث في ثوابت العقل             البشري التي يحتويها مخزون الحكم المتداولة بين الأمم . وتبيّن له أن "عقول الأمم تتوافي على طريقة واحدة"[1]. ويشرّع هذا التوافق لانتقال الحكمة إلى المدينة الإسلامية قصد "اقتناص السعادة ". فبدا هذا المنزع جليا في " كتاب تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق" لمسكويه. فقد حدد غرضه من تأليف الكتاب في قوله: "غرضنا في هذا الكتاب أن نحصّل لأنفسنا خلقا تصدر به عنا الأفعال كلها جميلة، وتكون مع ذلك سهلة علينا لا كلفة فيها ولا مشقة. ويكون ذلك بصناعة وعلى ترتيب تعليمي"[2].
 فالأخلاق لدى مسكويه صناعة يجب تعلّمها لأنّها ليست غريزية بل هي مكتسبة لقوله في الهوامل والشوامل: "أما قولك: هل الجود والبخل طبيعيان أم مكسوبان؟ فإنّ الأخلاق بأجمعها ليست طبيعية، ولو كانت كذلك لما عالجناها ولا أمرنا بإصلاحها ولا طمعنا في نقلها وإزالتها إذا كانت قبيحة".[3] ويقتضي هذا التصوّر التحلي بالخلق الفاضل الذي يحصل بالسعي إلى طلب الفضيلة و"ليس التخلّق إلا التحاما بالكون، إذ ليس المطلوب من الإنسان أكثر من متابعة تلك الحركة التصاعديّة نحو الوجود الأسمى، وهي حركة تشمل الكون كلّه...الأخلاق لا تبدو مجموعة من المعايير تفرض من خارج الإنسان أو من أعلاه، بل هي جهد ذاتي للارتقاء نحو إنسانيّة كاملة."[4]
ورأى مسكويه أن معرفة النّفس هي أساس علم الأخلاق بقوله:" نعرف أولا نفوسنا ما هي وأي شيء، ولأيّ شيء هي أوجدت فينا ؟  أعني كمالها وغايتها، وما قواها وملكاتها التي إذا استعملناها على ما ينبغي بلغنا بها هذه الرّتبة العلية "[5]. وتكمن معرفة الأخلاق، في نظره، في إدراك كيفية عمل النفس ومعرفة أسس اعتدالها واعتدال قواها. وانتهج منزعا تبسيطيا كي يتيسّر الأخذ بها. فقال: "أنت تكتفي عن تعلم الأخلاق بأنها ثلاث قوى متباينة تقوى إحداها وتضعف بحسب المزاج، أو العادات أو التأدّب".[6]  وتتطلب صناعة الأخلاق التشّوق إلى المعارف وطلب الفضائل و"بحسب طلب الإنسان لهذه الفضيلة وحرصه عليها يكون فضله. كما يتزايد هذا الفضل "بحسب عناية الإنسان بنفسه وانصرافه عن الأمور العائقة له، هذا المعنى بجهده وطاقته"[7]. وتكمن المعرفة بموانع ذلك في الزيادة عن الاعتدال، فلا إفراط ولا تفريط بما أنّ الفضائل اعتدال بين رذيلتين.
ولما كانت النفس تنقسم إلى ثلاثة أقسام، هى النفس الغضبيّة والنفس العاقلة والنفس الشهوية، فإن "عدد الفضائل بحسب عدد هذه القوى، وكذلك أضدادها التي هي رذائل"[8]. فكلّما اعتدلت حركة النفس حدثت عنها الفضيلة (العلم /الحكمة والعفة /السخاء والحكم/ الشجاعة ). وكلّما اضطربت حركتها نتج عنها الاضطراب المتمثّل في جمع من الرذائل( الجهل/ والشره/ والجبن). وتتقابل الفضائل والرذائل في الجنس والعدد، والجامع بين الفضائل "فضيلة هي كمالها وتمامها، وهي فضيلة العدالة"[9] وتقابلها رذيلة الجّور والظلم التي هي جماع الرذائل. ولمّا عدّ الحكماء الفضائل أربعة، هي الحكمة والعفّة والشجاعة والعدالة، فإنه لا مفتخر إلا بهذه الفضائل دون الافتخار بمآثر الأسلاف. " ولهذا لا يفتخر واحد ولا يتباهى، إلا بهذه الفضائل فقط ."[10] فالتخلّق متّصل بالفعل الإنساني، ومن ثم غرس الأخلاق في فضاء إنسي شامل، لأنّ "الفعل الأخلاقي لا يرتبط بغايات مثل الثواب والعقاب والشعور بالسعادة وتحصيل المكانة الاجتماعيّة...بل هو فضيلة في ذاته وإن كان يقود تبعا إلى هذه المكاسب. فالفيلسوف هو رجل الفضيلة الحقّة لأنّه يبحث عن الأشياء في ذاتها والمثل الأعلى للفضيلة هو مدينة الفلاسفة."[11] فقد اجتهد مسكويه في تغيير المنظومة الخُلقيّة بالقطع مع أخلاق المفاخرات والمنافرات والتعصّب والإشادة بقيم العقل والمعرفة والحكمة. ويكون إصلاح الخلق بالمجاهدة والتأدّب، أي أنّه يرتكز على المعطى الفردي للإنسان لا الجماعي ومن ثم فك الارتباط بين أخلاق الفرد وأخلاق المجموعة. وعرض موقف "جالينوس" الذي قسم الخلق قسمين، منه ما يكون طبيعيا (مزاج) ومنه ما يكون مستفادا بالعادة والتدريب. كما تبنّى مسكويه رأي أرسطو القائل بإمكانية إصلاح الخلق لأنّه ليس طبعا. فصاغه على شكل قياس كما يلي:" كل خلق يمكن تغييره، ولا شيء مما يمكن تغييره هو بالطبع، فإذن لا خلق واحد هو بالطبع"[12]. وقد أحصى أرسطو نوعين من الفضائل بقوله:" يوجد نوعان من الفضيلة: فالأولى عقلية والأخرى أخلاقية...والفضيلة الأخلاقية هي نتيجة العادة"[13]. والبدء بتعلم الخلق ييسّر علاج الواقع بعد تراكم المظالم التي تجلّت في المصادرات والمغارم والتعذيب والتنكيل والقهر والقتل، والبحث عن سعادة بديلة تقطع مع التكالب على الثروات ومن ثم الاشتراك في تحصيل السعادة . ويتماشى هذا الموقف مع رؤية أرسطو للنفس باعتبارها المبدأ الحرّ للحيوان.[14] ويطلعنا هذا الرأي على التفكير في الإنسان ضمن الفضاء المديني، ونزعة القطع مع التصورات الماهويّة والأنطولوجية والميتافيزيقية التي سادت الموقف الفلسفي في تلك الفترة.



- اقتناص السعادة: 
رأى مسكويه أنّ الخير والفضيلة يعود نفعهما على المجتمع كله، فتحقيق السعادة المشتركة هي غاية الخير القصوى. وميّز بين نوعين من السعادة: السعادة الخاصة في قوله:" كل واحد منهم قد نصب غاية لنفسه يقصدها بسعيه ويسميها سعادة له"[15]. والسعادة العامة التي هي سعادة مشتركة في قوله: "أما السعادة العامة، من حيث هم ناس، فهي ما ذكرناه من قبل من صدور الأفعال بحسب الرويّة والتمييز وعلى ما يقسّطه العقل"[16]. فتحولت فكرة السعادة لديه إلى غاية عقلية تختصر الفوزين: "الفوز الأصغر" و"الفوز الأكبر". ولا تتحقق إلا عن طريق الخير المطلق. فقد" كان منظور مسكويه، ومنظور عصره أيضا، يعتبران أنّ دراسة فكرة السعادة المثلى يتطلب المعرفة المسبقة بما يمثله الخير المطلق واللذة المطلقة"[17]. والسعادة هي تمام الخيرات وغايتها. وتحصل السعادة التّامة عن انسجام سعادة الجسد وسعادة النفس، فكان يرى بضرورة التوافق بين الحقيقة الروحية التي تربط الإنسان بالملائكة والحقيقة التي تربطه بالحيوان، ومن ثم يحصل الكمال الأخلاقي بما هو سعي تتولاه النفس. "ولما كانت النفس الإنسانية عاجزة عن الكمال بحكم تقيّدها بالجسد الذي هو من غير طبيعتها، فإن لحظة الذروة في التوجه نحو الكمال هي الموت، أي خلاص النفس من الجسد وتعاليها نحو العالم السماوي الذي نزلت منه"[18].
فالكمال يظل متعلقا بالبعد الإنساني فقط، فترتبط السعادة بالتأمل العقلي والحكمة التي تقود إلى الإنسان الكامل، أو الإنسان الملك. فأشار في الهوامل والشوامل إلى أنّ" بنية الإنسان وتركيبه ومبدأ خلقه وقع على أنّه ملك، فكل إنسان له أن يكون ملكا بما أعدّ له من القوى المساعدة عليه، ولا ينبغي لأحد أن يقصّر في هذا المعنى، إلا لآفة أو نقص في البنية "[19].  ومثّل النزوع إلى الخير الأسمى مبدأ اقتناص السعادة لديه، لأن" مثل هذه اللذة نموذج من السعادة المطلقة، وهي في نفس الوقت الخير المطلق الذي يسعى إليه كل إنسان. والوصول إليه يحتاج إلى تدبير وإلى سياسة النفس. وتتلخص كما قلنا في تحقيق العدالة بين قوى النّفس الثلاث".[20] لكن هذه السعادة لا تتحقق للإنسان، إلا عبر المشاركة باعتباره عنصرا من الجماعة المدينيّة.

ج- مضادّات العنف: من الاستبداد إلى السعادة المشتركة
 لئن كانت الحكمة ذات جوهر فردي النزعة، فإن الإنسان لا يحصل عليها إلا من خلال اندماجه في الجماعة. ولهذا يعقد مسكويه الصلة بين السعادة الذاتية القائمة على العدالة بين قوى النفس وتحقيق التوازن والعدالة من جهة والقوى التي تتكون منها المدينة من جهة أخرى، وهي أيضا ثلاث قوى تعادل قوى النفس: الرئيس والجند والمهّان (أصحاب المهن). فالفرد في حاجة إلى غيره بفعل ضغط ضرورات الاجتماع وإكراهاته. وهنا يعود مسكويه إلى جمهورية أفلاطون " إذ يوازي بين القوة الناطقة، أو العقل ورئيس المدينة"[21]. ولئن كانت الأخلاق ذات منزع فردي فإنها لا تتحقق إلا ضمن الجماعة التي تؤسّس البعد السياسي الذي وصفه أفلاطون بالعلم الملكي، " فلا يوجد فن... أكثر عدلا من العلم السيد... وهو فن قيادة كل الإنسانية"[22]. فالمدينة " أو الدولة عبارة عن مجموعة، وكل مجموعة مؤسسة على نوع من الخير...وفي النهاية فإن المجموعة السائدة في الكل والتي ينتمي إليها كل الآخرين هي التي ندعوها المدينة، أو المجموعة السياسية"[23].
فقد نشأت المدينة عن التآلف بين المجموعة "فالإنسان مدني أكثر من غيره من الكائنات" والمدينة "تعدّدية بطبعها"[24] فتكون السعادة قرينة السياسة.  وتتحقق بـ"الإسعاد (أي السّياسة) لأن " الإسعاد هو تشويق السائس المسوس إلى ما يسعد به "كما يقول العامري[25]. فالأخلاق ليست مجرد منظومة يعتنقها الشخص فقط بقدر ما هي تدبير عملي يعبّر عن مجتمعيته وانسجام حركته داخل "الفضاء العمومي" أو المجال الاجتماعي،  بل إن الفضاء الاجتماعي هو الفضاء الذي يسمح للنفس باستكمال قواها، إذا ما اعتبرنا " النفس: استكمال أوّل لجسم طبيعي آليّ وقد تجعل بدل قوله آلي " ذو حياة بالقوة "[26].
فإذا كانت الحكمة لا تكتمل إلا في مجال التاريخ وعبر التجارب، فإنّ السعادة الفردية لا تكتمل، إلا في فضاء إنسيّ أشمل من الفرد. أي أنّ السعادة تقتنص ضمن المؤسسات الاجتماعية. ولذلك تتأسس الأخلاق التي نادي بها مسكويه على منظومة فلسفية تهدف إلى إصلاح المجتمع على اعتبار أنّ أزمة عصره أزمة سياسية ومجتمعية. إذ لا بد من إصلاح المنظومة القيمية بدءا من التربية الأخلاقية للفرد وانتهاء إلى المجتمع بغرس الفضيلة في أفراده. فنحصل بذلك على مجتمع فاضل. كما حرص مسكويه على توفير مناخ لاحتضان مقولاته التي اقتبسها من مصادر الموروث اليوناني الهيلينستي والموروث الفارسي، فضلا عن الأخلاق الإسلامية الأصيلة. يوحي ذلك بتركيبة "العقل الأخلاقي العربي" وتعقد مرجعياته الفلسفية. كما يسمح بالقول بضرورة البحث في أقوال الفلاسفة وتصوّراتهم. وتجلّت بشكل واضح في المدينة الفاضلة المضادة لمدينة العنف.

3- مدينة الفلاسفة مدينة مضادة للعنف
 استوجبت عمليّة تنظيم العنف داخل المدينة الكشف عن الجهات التي احتكرته وتملّكته. وساهم ذلك في الارتقاء بالعقول إلى المراتب العليا والمثل الفاضلة من أجل تحقيق "الاجتماعات الكاملة ". فقد أثار اقتران السياسة بالعنف عدّة أشكاليات. ومن ثم قول "فيليب برو( Ph.Perrau ):" إنّ استعمال العنف هو، عمليا، وسيلة للولوج إلى الوجود السياسي من خلال فرض النفس طرفا مقابلا على مختلف فاعلي اللّعبة المؤسساتية، أي على الحكّام بالطبع"[27]. وتكمن مهمة الفيلسوف في إدخال النظام على المدينة لمأسسة العنف. ويعود اختلاف الأطروحات الفلسفية المتعلّقة بالعنف إلى الاختلافات حول صيغ تنظيمه والحلول المقترحة. ومن أهم الذين اهتمّوا بذلك نذكر الفارابي.
أ- الفارابي :المدينة الفاضلة وضبط العنف داخل المدينة 
مرّ تدبير العنف داخل المدينة لدى الفارابي(ت 331هـ /950م) بعدّة مفاهيم ضرورية عائدة إلى الفلسفة التي استقى منها بناء مدينته ومن أهمّها مفهوم الفيض.
*المدينة الفاضلة: من عالم الفيض إلى ترتيب الاجتماع:
وظّف الفارابي فلسفة الفيض ذات الأصول الأفلاطونية المحدثة في فهمه للكون السياسي. فانطلق من معالجة القول في الموجود الأول و انتهى إلى ترتيب المدن ومراتب أهلها. وصدر كل ذلك عن تراتب هرميّ فائض عن الموجود الأوّل في قوله:" الأول هو الذي عنه وجد، ومتى وجد للأوّل الوجود الذي هو له لزم ضرورة أن يوجد عنه سائر الموجودات... ووجود ما يوجد عنه، إنما هو على جهة فيض وجوده لوجود شيء آخر، وعلى أن وجود غيره فائض في وجوده هو"[28].
وقد تأسّست فكرة الفيض على ردّ الكثرة إلى الوحدة، فصدور العالم نتيجة حتمية لعلم الله بذاته، وهي عملية لا تتم في حركة لأنّ "الفيض عملية عقلية آليّة وليس الوجود غاية الواحد، أو كمالا"[29]. ونتج عن العقل الأول عقل ثان ثم عقل ثالث إلى حد العقل التاسع في إطار مرتبة الوجود الأولي، ثم نجد مرتبة ثانية. وينتج العقل الفعّال عن مرتبة الوجود الثالثة، ويتوالى الوجود حتى يبلغ المرتبة السادسة. ثم نجد الأجسام التي نشأت عن القوة المتخيّلة في العقل، فالوجود لدى الفارابي مكوّن من مراتب لأن الموجودات كثيرة متفاضلة صادرة عن جوهر الوجود الذي هو "جوهر يفيض منه كل وجود، كيف كان ذلك الوجود كان كاملا أو ناقصا "[30]. وتفيض الموجودات عن جوهر هذا الوجود متراتبة ابتداء بأكملها وجودا، ثم يتلوه ما هو أنقص منها قليلا إلى أن نصل "ما لم يكن أن يوجد أصلا، فتنقطع الموجودات في الوجود."[31] هكذا يصبح الوجود كثرة متآلفة من جواهر وأعراض. فتتآلف الأشياء الكثيرة لتصبح جملة واحدة أو نموذجا واحدا.
ورأى الفارابي أن هذه الأعراض تنتظمها مبادئ في قوله: "المبادئ التي بها قوام الأجسام والأعراض التي لها ستّة أصناف لها ست مراتب عظمى"[32]. وأراد الفارابي دمج الميتافيزيقا والسياسة في منظومة واحدة. فالموجودات متراتبة ومبنية في عالم الإله وعالم الطبيعة وعالم الإنسان بحسب تراتب هرمي. ومن ثمّ بناء المدينة الفاضلة على غرار مدينة الله (أي العالم) حتى يتحقق لها من النظام والكمال ما هو متحقق فيما شيده الله"[33]. فيحصل التناظر بين تركيب عالم العقول المفارقة وعالم الإنسان (نفس وبدن ) وعالم الاجتماع المديني، قصد" إبراز دور الرئيس بوصفه قمة الهرم الذي تشكله هذه العوالم ".[34]
وكشفت فلسفة الفيض عن التماهي بين العالم المطلق المفارق وعالم النفس المقيّد وعالم المدينة بغاية البحث عن نماذج مثالية وتدبير "الصلة بين أقسام المدينة ومراتبها من جهة ومراتب الأشياء التي في العالم، ومراتب القوى النفسانية، ومراتب أعضاء بدن الإنسان من جهة أخرى"[35] كما لاحظ محسن مهدي. واقتضى الإصلاح بذلك ضرورة البدء من إصلاح العقل الذي "هو أعدل الأشياء قسمة، فإننا نمتلكه باعتباره شيئا مشتركا...وهو مشترك لأنه لا يقبل القسمة وواحد ومشترك"[36] على حد قول"أفلوطين". وفي ذلك إحالة إلى وجوب مراجعة المعقول السّياسي ومنزلة المعرفي السياسيّة مقارنة بغيرها من المعارف.
* منزلة علم السياسة لدى الفارابي والغاية منه:
صنّف الفارابي علم السياسة ضمن القسم الخامس الذي هو " في العلم المدني وأجزائه وفي علم الفقه وعلم الكلام"[37]. ويثير وضع علم الكلام والفقه إلى جانب العلم المدني عدة أسئلة. فما العلاقة الجامعة بين هذا العلم وعلم الكلام والفقه ؟ و لأي غاية كان هذا التصنيف ؟ وهل في ذلك دمج للسياسة في الدين ؟ فقد لاحظ محسن مهدي أنّ الفارابي أول فيلسوف حرص على دمج الفلسفة السّياسية الكلاسيكية بعلوم الدين[38]. وسهّل هذا التوفيق عملية "دمج العلم الديني مع العلم المدني، مما يؤكد القيمة السياسية للعقيدة "[39]. أما موضوع العلم المدني فيتمثّل في الاهتمام بالسنن والرياسات، لأنّه علم " يفحص عن أصناف الأفعال والسنن الإرادية، وأن تلك الرياسة لا تأتي إلا بمهنة وملكة يكون عنها أفعال التمكين فيهم...وتلك المهنة هي الملوكية"[40]. و يتكون هذا العلم من جزأين " جزء يشتمل على تعريف السعادة، ويميّز ما بين الحقيقيّة منها والمظنون به... وجزء يشتمل على وجه ترتيب الشيم والسير الفاضلة في المدن والأمم. "[41]
أما الغاية من هذا العلم فتتمثل في التمييز بين السعادة الحقيقية والسعادة الوهمية وبين أنواع الاجتماعات والمدن وتقسيماتها ومختلف الآراء السائدة في تلك الاجتماعات. فالاجتماعات القائمة على غاية جمع المال، عدّت اجتماعات فاسدة. وتجلّى الفساد في المصادرة والمغرم والظلم ونزع الملكيّة والاعتداء على الناس وما خلّف ذلك من آثار سلبيّة أفسدت الاجتماع السياسي، فضلا عما انجر عنها من جور مؤذن بخراب العمران. أما السعادة المتأتّية من جمع المال بالباطل والقهر فسعادة مظنون بصحّتها، فهي سعادة زائفة، لذلك عدّت رئاسة التغلّب نموذجا دالا على ضعف تلك الرئاسات وخسّتها.

* الاجتماعات المدنيّة والبحث عن الكمال الإنساني:
        لمّا كان الإنسان في حاجة إلى غيره لنيل الكمال الإنساني، فإن هذا الكمال لا يحصل إلا "باجتماعات جماعة كثيرة متعاونة" والاجتماعات الإنسانية على ضربين، " فمنها الكاملة ومنها غير الكاملة. والكاملة ثلاث:عظمى ووسطى وصغرى"فالعظمى اجتماعات الجماعة كلها، والوسطى اجتماع أمّة، والصغرى اجتماع أهل المدينة."[42] أما الاجتماعات غير الكاملة فهي اجتماع أهل القرية، واجتماع أهل المحلّة، ثم اجتماع في سكّة. ويحصل الخير والكمال الأقصى في المدينة لا في الاجتماعات الناقصة. ولمّا كان الخير يقوم على التعاون، فإن المدينة التي يقصد بالاجتماع فيها التعاون تنال السعادة الحقيقية، وهي مدينة فاضلة أشبه ما يكون بالبدن التام الصحيح.[43] فيماثل الفارابي بين البدن والمدينة، فرئيس المدينة يمثّله العضو الرئيس في البدن الذي هو أكمل أعضائه، وأهمّها " كذلك رئيس المدينة هو أكمل أجزاء المدينة، فيما يخصّه"[44]. ورئيس المدينة الفاضلة لا يكون أي إنسان اتّقق، لأنّ الرئاسة تكون بشيئين، تحصل بالطبع والفطرة وبالهيئة والملكة الإرادية. ويتميز الرئيس بكون "صناعته صناعة لا يمكن أن يخدم بها أصلا".[45] وهذا الإنسان يجب أن يكون كاملا فيصير" عقلا ومعقولا بالفعل" بماله من قوة متخيلة. كما يكون أقرب إلى العقل الفعّال. " ولا يكون بينه وبين العقل الفعّال شيء آخر".[46] ولعل هذه الآراء تعود إلى ما لوحظ من ضعف كفاءة الخلفاء والقادة وتشبثهم بالخيرات المادية، وقصورهم عن إدراك السعادة الحقيقية.
فالسياسة لدى الفارابي أعلى مراتب الصنائع، والرئيس أعلى مراتب الإنسانية لما توفرت فيه من محامد وفضائل. فهو جيّد الفهم وتامّ الأعضاء وجيّد الحفظ حسن العبارة محبا للعدل والعلم. وهذه الخصال لا يسهل توفّرها في إنسان واحد. وهذا ما يشرّع للقول بالحاكم– الفيلسوف أو النبي-الفيلسوف ضمن نظرة متأثرة بالفلسفة الأفلاطونية المحدثة كما اكتملت مع أفلوطين. فقد رأى أن " الفضائل تطهيرات " وهذه الفضائل إنما هي فضائل مدنية[47].
وميّز الفارابي بين المدينة الفاضلة ومضاداتها في قوله :"المدينة الفاضلة تضادها المدينة الجاهلية والمدينة الفاسدة والمدينة المبدّلة والمدينة الضّالة"[48]. وتتبع المدن أنواع الرئاسات، فمتى كانت الرئاسة فاضلة كانت المدينة فاضلة والملة فاضلة. ومتى كانت الرئاسة فاسدة كانت المدينة جاهلة تتعاون على اللّذات، وتنال السعادة الوهمية[49]. وتختلف أنواع المدن بحسب ما فيها من آراء نظرية .
ويبدأ إصلاح الاجتماع المديني بإصلاح العقائد والآراء السائدة في المدينة. وهذا ما يبرر العلاقة بين الشريعة والفلسفة وبين علم الفقه وعلم الكلام والعلم المدني في فلسفة الفارابي. فلمّا استولى العنف على الاجتماع العربي الإسلامي في تلك الفترة، فإن قراءة هذا الاجتماع أدّت إلى وسمه بالخسّة والنذالة نتيجة نزوع الجماعة إلى التعاون على التمتع باللذة المحسوسة والتكالب على الثروة. وعكست كثرة المصادرات حجم الرغبة في جمع المال وتوهّم السعادة. وتميزت هذه الاجتماعات بسيادة النفس الشهوية وغياب الرئيس الفاضل والإحساس بالسعادة الوهمية. ومن ثم قول الفارابي :"أما المدن الفاسقة فهي التي اعتقد أهلها المبادئ وتصوروها، وتخيّلوا السعادة واعتقدوها"[50]. وقاده ذلك إلى اقتراح عدالة جديدة أساسها اعتدال النفس الذي هو اعتدال في حركة قواها لتحقيق الخير. ويختزل ذلك الخير في رئيس المدينة باعتباره واحدا لأنّ الخير واحد يتكثّر. ويقتنص هذا الخير بالمعرفة النظرية التي تقود إلى فهم العلل والأسباب والمبادئ عن طريق الاتصال بالعقل الفعّال، وتلك مهمّة الفيلسوف.
 فالخير لا يدرك بالتكالب على جمع المال، مما يعني إسناد دور أساسي إلى الخاصة، أو أهل الفكر والنظر. هكذا كان الفارابي يوائم بين المرجعية اليونانية والبيئة الإسلامية مراوحا بين الديني والسياسي في تأسيسه للاجتماع المديني، بجمعه بين النبي والفيلسوف، والإحاطة بالحكمة النظرية في الفهم والحكمة العملية بالبحث عن الخيرات وضبط دور الفرد داخل المدينة، وتسييج فعله وحركته الذهنية والبدنية. فيتأسّس الاجتماع المديني على قوانين لا تنتهك الشرائع/ والنواميس (بالمعنى الأفلاطوني) ولا يحصل الجور (مظالم ومصادرات ومغارم وقهر...).
كما تمكّن الخصائص المميزة لشخص الرئيس من حسن قيادة الأمة وفق الشريعة ونواميس الحكمة، فيكون الاجتماع فاضلا. وهذا يعني أن العقل مبدأ النّظام والوحدة، وإدراك هذا النظام إدراكا عقليا هو السعادة عينها. فمن غير الممكن أن تبنى السّعادة على الأعراض واللذات الزائلة. ولم يكن هذا الطرح خاصّا بالفارابي وحده بل تأثّر به العديد من الفلاسفة. وكان للمصالحة التي آثارها الفارابي بين الحكمة والشريعة أثر هام في بقية الرؤى الفلسفية، خصوصا لدى ابن سينا.
ب- ابن سينا جدلية الديني والسّياسي:
        قام النّسق الفلسفي لدى ابن سينا(ت 428هـ) على الجمع بين حكمة "المشرقيّين" والفلسفة الأرسطية والتأثّر بالأفلاطونية المحدثة. فاهتم بالثنائيات المنتظمة للكون لذلك وضع علم السياسة ضمن قسم الطبيعيّات، ورأى أن الحكمة تتمثّل في "استكمال النفس الإنسانية بتصور الأمور والتصديق بالحقائق "النظرية والعمليّة "[51].
 أما الحكمة العملية فحكمة مدنيّة وحكمة منزلية وحكمة خلقيّة. و"مبدأ هذه الثلاثه مشتق من جهة الشريعة الإلهية ".  فقاده ذلك إلى تصور فكرة السّعادة على أنّها تكمن في تحرّر النفس من سجن بدنها والتحاقها بنفوس الأجرام السماوية والتشوّق إلى الفضائل. ولا يتحقّق لها ذلك إلا عبر الاجتماع المديني، بقوله:" لا بد من أن يكون الإنسان مكفيّا بآخر من نوعه يكون ذلك الآخر أيضا مكفيّا به وبنظيره... حتى إذا اجتمعوا كان أمرهم مكيفا "[52]. واستفاد ابن سينا من فلسفة الفارابي[53] في هذا الشأن. وأقرّ بأن الفضيلة ليست مجرد نظر عقليّ، أو قيمة مجردة بقدر ما تتحقق عبر الممارسة وتجنّب الشرّ. ويقوم الاجتماع الإنساني  في الأصل على المشاركة والتعامل، فبقاء الإنسان مشروط بمشاركة بني جنسه، ولا تحصل الفضيلة إلا من خلال الاجتماع الإنساني. ويعد هذا النظر امتدادا للتصور الأفلاطوني-الأرسطي للدولة، لأنها تنشأ نتيجة عجز الفرد بذاته عن سدّ كل حاجاته، فمن الضروري وجود أشخاص آخرين لتحقيق أغراضه وتحصيل كمال الاجتماع الإنساني. ويعني ذلك، ضمنيا، الاعتراف بقيمة الآخرين من جهة، وبقيمة الاجتماع الإنساني والحرص على رعايته وبثّ الخير الأسمى فيه من جهة أخرى. ويميّز ابن سينا بين السياسات والرياسات، والسياسات الحافظة للمشاركة الإنسانية والمدينيات. وميّز بين خسّة الرياسة وهي رياسة التغلّب التي " لا تثبت إذا كثر فيها الرؤساء، وأما رياسة القلة – ما دامت رياسة القلة- فلن تضيرها كثرة الرؤساء، اللّهم، إلا أن تنتقل إلى رياسة أخرى."[54] .
 وتكمن وحدانية الرياسة في "طاعة الرئيس للرعية وعبوديتهم"[55]. أما الرياسة الفاضلة الحكيمة، فهي أن يكون الرئيس أزيد الأمة فضيلة. أما أفضل السياسات لديه، فهي "سياسة الملك ثم سياسة الأخيار، ثم سياسة الكرامة. وأخسّها سياسة التغلّب ثم سياسة القلة ثم السياسة الجماعية، وقد يتركب من هذه السياسات مدنيات"[56].
وبني ابن سينا المدينة على أساس التّراتب والتوازي بين العالم الأكبر (الكون) والعالم الأصغر(الإنسان)، فليس فيها جزء غير نافع، أو ما هو عاطل، أو لا حاجة له. واختلفت المدن لدى ابن سينا بحسب ما يشيع فيها من آراء. فحرص على ضرورة التزام أهل الاجتماع المدني الفاضل بالشّرع، وظلت تصوراته قائمة على الجمع بين الثنائيات والسياسة والميتا- سياسة. وتواصلت هذه الرؤية مع ابن باجة في تأسيسه للمدينة على النظر العقلي الخالص .
 ج-ابن باجة وتدبير المتوحّد:   
بدأ ابن باجة (ت533هـ) القول الفلسفي بعرض معاني التدبير، على عكس الفارابي (ت339هـ) الذي ابتدأ قوله بالبحث في مراتب الوجود. ولئن كان التدبير يعني الكثير من المعاني، فإنه يقتصر تمثّل فعلى معنيين بالنسبة إليه: معنى عام شمل " كل أفعال الإنسان كيف كانت"[57]، ومعنى خاص احتوى تدبير المدن. وكان هدف ابن باجة، بدرجة أولى، يتمثّل في إصلاح الفرد بقوله: "ونحن في هذا القول نقصد تدبير هذا الإنسان المتوحّد"[58] لتدبير الذات والترقّي بها إلى عالم العقول وإلى درجة إدراك العقل الفعّال. ويحصل التسامي، في نظره،  بالتخلص من الأبعاد الجسمانية. وعدّ النظر العقلي جوهر المدينة الفاضلة التي هي مدينة كاملة لا تستحق صناعة الطب أو صناعة القضاء، لأنّ  "المدينة الفاضلة أفعالها كلها صواب"[59]. وهي مدينة تخلو من "النّوابت"[60]. ويتوصّل إلى المعرفة فيها عن طريق "الحس المشترك"، أما التدبير فهو الموصل إلى العقل الفعّال. ولا يمكن تمييز الخير والشر، لديه، إلا بالاجتماع داخل المدينة، فمهمة الفيلسوف هي قيادة النفس إلى مراتب علوية والتجرّد من المحسوس، فيحصل الاجتماع الفاضل. ومن شأن تدبير المتوحد أن يقلل من الرغبة العاتية في السطو على الأموال، وحيازة ما في أيدي الآخرين، أو إلحاق الضرر بهم عن طريق التعذيب والقتل، مما يسهم في بناء مدينة كاملة قائمة على تقاسم المسؤوليّات.

د - ابن رشد وبناء المعقول السّياسي: 
        اهتم ابن رشد (ت595هـ) بالفلسفة السياسية ووظفها في قراءة السائد الاجتماعي فأولى عناية بفلسفة أفلاطون وأرسطو السياسيّة وعرض أهم أرائهما وتصوّراتهما في بناء المدينة –الدولة. ورأى أن علم السياسة متأسّس من جزأين: "يفحص في الأول عن العادات والشيم المكتسبة والأفعال الإرادية بالجملة... وفي الثاني يتم الفحص عن كيفية غرس هذه العادات في النفوس".[61] ويتعلم هذا العلم بالوسائل الإقناعيّة وفق طريقتين: فالأولى تحصل "بغرس الإقناع من خلال الأقاويل الخطابية والشعرية "[62]، والثانية تتم بالقسر والإكراه. أما أنواع السياسات لديه فهي أربع: " السياسة الجماعية، وسياسة الخسّة، وسياسة جودة التسلّط، وسياسة الوحدانية  وهي الكرامية." وبني ابن رشد نظام المدينة على شاكلة نظام الكون وخصائصه (السببية والتوافق والغائية والوحدة). وهو نظام يسري على الإنسان وعلى نظام المدينة، وينسجم هذا النظام مع قانون الفضائل، فمن غير الممكن أن تتحقق الفضائل الأساسية (التأملّية والعملية والأخلاقية)، إلا داخل مجتمع بشري منظّم. ويعسر أن تتحقّق هذه الفضائل في شخص واحد، لأنّها فضائل جماعية يشارك فيها كل فرد دون حيازتها بالجملة[63].
وفرض تأسيس المدينة الفاضلة لدى ابن رشد وجود الملك –الفيلسوف. فهو يماهي بين مرجعيتين: يونانية وأخرى إسلامية من أجل مواكبة تطورات البيئة العربية الإسلامية." فحدّ الفيلسوف هو بعينه حدّ الملك والشارع  والإمام كلها بمعنى واحد... وهو الإمام بصورة مطلقة".[64] أما الاجتماع الفاضل فتطلب اختيار السنن النافعة و"العادلة " وعدم خلطها بالسنن الجائرة. ولا يمكن أن تقوم العدالة في غياب اعتدال الشخص وسيادة القوة العاقلة. فكن يوازي بين عدالة الفرد وعدالة المدينة وعدالة الدولة[65]. أما الظلم فيحصل في المدينة الجاهلة بسبب سيطرة القوتين الغضبية والشهوية.
هكذا يتم دمج الفرد ضمن بعده المديني، فتتماهى النفس الفردية مع النفس الكلية. ويعتبر العنف من علامات سيطرة النفس الغضبية في المدينة، وهذا ما يبرّر وصفها بالمدينة الجاهلة.
 ولم يكتف ابن رشد ببناء الحكمة السياسية النظرية، بل رأى أنّ للمدينة الفاضلة مدنا جاهلية تضادها. وكان يقصد نقد الاجتماع السّائد في عصره. فيقول:"إن الاجتماعات القائمة في العديد من الممالك الإسلامية اليوم، هي الاجتماعات القائمة حصرا على البيوتات... ولهذا السبب فإن أهلها يضطرّون في بعض الأحيان إلى إخراج المال لغرض إنفاقه على من يقومون بحراستهم والقتال من أجلهم، ومن هنا جاء أصل الغرامات والمكوس".[66]
 فالاجتماع العربي الإسلامي مقسّم إلى صنفين هما السادة والجمهور، ويقوم على تسلّط السّادة وسلبهم الأموال فقد أكثروا من الاستيلاء إلى حد بعيد، فتكون المدينة من"المدن المستبدّة فعلا". ويهدف الاجتماع فيها إلى طلب الحصول على المآرب الخاصة "بالرغبة في الغلبة، والرغبة في الشرف، والرغبة في الثروة، والرغبة في اللذة".[67] ويسعى أهل هذه المدينة إلى غاية واحدة تقتصر على خدمة المستبد وتنفيذ رغباته. فهم "أشبه بالعبيد" و"إنّ اجتماع أهل هذه المدينة هو مضاد بالكلية لاجتماع أهل المدينة الفاضلة".[68]  فالاجتماع العربي الإسلامي فقد اعتداله، وطغت عليه قيم اللّذة (النفس الشهويّة ) مقابل تقلص القوة الناطقة. ويعمل القول الفلسفي على رد الاجتماع إلى العقل المنظّم بتنظيم أفعال الفرد وإراداته وغاياته وضبط مجال السائس ومأسسة احتكار العنف كي لا" يتغيّر حال الرجل الكرامي إلى محبّ لجمع المال، وهذا بلا ريب يشبه سياسة حب المال"[69] وتكون المدينة " مدينة الشهوة". ولئن تميز القول السياسي العربي الإسلامي بالمناحي الفردية، فإننا نعثر على مشاريع جماعية فاهتمّت بإصلاح الشأن السياسي كما تبلور ذلك مع إخوان الصفاء.

4- تصوّرات المدينة الجماعية
أ– إخوان الصفاء: تطعيم الشريعة بالفلسفة 
تنتمي جماعة" إخوان الصفاء وخلاّن الوفاء"  إلى التنظيمات السّريّة في الإسلام. وهي حركات لها أبعادها الحزبية ومقولاتها الإيديولوجية. ويبدو واضحا انتماء هذه الجماعة إلى التّيار الشيعي الإسماعيلي[70]  معبّرين عن روح العصر، باعتبارهم " ظاهرة عصر لا ظاهرة جماعة "[71]. وقد انتهجت هذه الجماعة مبدأ الإصلاح بنشر التعليم ( والتعاليم )، ورأت أن المدينة الفاضلة قابلة للتحقيق إذا ما تم دمج الفلسفة بالشريعة، وعن طريق العمل الدعوي ونشر التأديب والتربية. ومن ذلك ما جاء في "الرسالة الجامعة": "أيها الأخ البارّ الرحيم أيّدك الله وإيّانا بروح منه وأعانك وإيّانا على طاعته... إناّ قدمنا إليك من أنوار الحكم ولطائف النعم وفواكه النفوس... مقدّمات ذوات فضائل جمة عدة أبواب"[72]. وقد تبنّى إخوان الصفاء فلسفة الفيض[73] القائمة على الاتّصال بمراتب الملائكة[74] والتّماثل بين العالم الأكبر والعالم الأصغر[75].
واعتقد إخوان الصفاء بتطور الدولة ومرورها بثلاثة مراحل (النشوء والاكتمال والتلاشي)، فتأخذ في النقصان ويدب الشؤم والخذلان " إلى أهلها ثم ينقص، "فالأول المتقدم" أو "أهل الشر"، ثم يتمكّن "الآني المتأخر" أو "أهل الخير". ولابد من توفر " أهل الذّكر من أهل النبوّة" لقيادة الخلق إلى النجاة. ويحصل ذلك بظهور الإمام عبر سلسلة من الإصلاحات العميقة. فيقع التمييز بين " دولة أهل الخير"، أو المدينة الفاضلة ومجتمع " أهل الشر". ويسند إخوان الصفاء للعلماء مرتبة عليا على أن يتم الاتفاق بينهم على مذهب واحد ودين واحد وميثاق واحد، قصد نصرة الدين وطلب الآخرة.
أما مدينتهم الفاضلة، فهي مدينة ذات موقع مخصوص، لأنّها مدينة روحانية تخص النفوس المتخلّصة من مطالب الجسد، وسيطرة العناصر الأربعة (الماء والهواء والنار والتراب ). و "لا ينبغي أن يكون بناء هذه المدينة في الأرض، حيث تكون أخلاق سائر المدن الجائرة، ولا ينبغي أن يكون بناؤها على وجه الماء، لأنّه تصيبها الأمواج والاضطراب... ولا ينبغي أن يكون بناء هذه المدينة في الهواء مرتفعا لكي لا يصعد إليها دخان المدن الجائرة... وينبغي أن تكون مشرفة على سائر المدن... وينبغي أن يكون أساس هذه المدينة على تقوى الله كي لا ينهار بناؤها"[76]. فهي مدينة دينية -فلسفية تقوم على التعاون ونشر الفضيلة والمعرفة تخلصت من الصراعات والاختلافات المذهبية والعقائدية، فيتصالح فيها المعقول مع المنقول والفلاسفة مع الفقهاء، والحاكم مع المحكوم. وترمي إلى تجاوز الضلالات وتطهير أفراد المدينة بعد تطهير الشريعة التي كانت قد "دنست بالجّهالات، واختلطت بالضلالات ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة". فالشرّ في المدينة ناتج عن الكثرة، وتطلّب ذلك نظاما يصهر الاختلافات المذهبية، ويقصد به بناء مجتمع متماسك يمثل "النّفس الواحدة". فالسعادة هي سعادة الجميع تقتنص بنشر الفضيلة والصداقة، وإشاعة التعليم والتّسامح وإحكام التّنظيم المتبادل بين المال/ والعلم[77]. وتنسجم التعاليم التّربوية مع رؤية المتصوّفة القائمة على ثنائية الشيخ والمريد، من أجل مدينة روحيّة.


[1]  - مسكويه، الحكمة الخالدة، 375.
 - يقترب معنى الحكمة في هذا السياق من التجربة أكثر من مرادف الفلسفة بانقسامها إلى حكمة نظرية وأخرى عملية، لأن هدفه هو جمع الحكمة القديمة وحكمة الهند والفرس والعرب القدماء واليونان والرومان ثم الحكمة الإسلامية. و" هذه الحكمة كلها تتلخص في عاطفة معينة، أو شعور معاش عمليا، قبل أن يفكر به نظريا، ألا وهو: الشعور بوحدة الإنسان والعالم" ( محمد أركون، نزعة الأنسنة،  424)
[2]  - مسكويه، تهذيب الأخلاق و تطهير الأعراق ، قدم له سهيل عثمان، منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1981 ص 21
 - يصدر موفق مسكويه، وغيره من الفلاسفة بشكل خاص، الأخلاقي عن كتاب أرسطو رسالة  في الأخلاق إلى تيقوماخوس.
[3]  - التوحيدي،  الهوامل والشوامل، 114  .
[4]- محمد الحداد، محمد عبده، 129
[5]  - مسكويه، تهذيب الأخلاق، 22.
[6]  - م، ن ، 42-43 .
[7]  - م، ن، 33 
- يرى الرواقيون أن الأخلاق غريزة، فقد " ظنوا أن الناس كلهم يخلقون أخيارا بالطبع ثم يصيرون أشرارا بمجالسه أهل الشر وبالميل إلى الشهوات الرديئة التي لا تقمع بالتأديب ".( الفارابي، الجمع بين الحكيمين، دار المشرق، بيروت 1986 ص 95)
[8]  - م، ن، 43.
[9]  - م، ن، 43.
[10]  - م، ن، 44.
- محمد الحداد، محمد عبده، 130[11]
[12]  - محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي، دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، ط 1، بيروت 2001 ص 39
[13] Aristote .Etique a Nicomaque. Traduit par jean Defras.Presses Pocket1992.p 55  -

 Aristote . De L’âme .traduction de E.Barbotin. Gallimard.1989 .p9 - [14]
[15]  - مسكويه، كتاب السعادة ، تحقيق سيد على الطوبجي السيوطي، المطبعة العربية، مصر 1346هـ ـ1928م ص 35
[16]  - م،  ن، 37
[17]  - محمد أركون، نزعة الأنسنة، 487
[18] - محمد الحداد، محمد عبده، 130
[19]  - التوحيدي، الهوامل والشوامل، 68-69 
[20]  - محمد عابد الجابري ، العقل الأخلاقي العربي،  263-264.
[21]  - أفلاطون، جمهورية أفلاطون، نقله حنا خبّاز، ط 5 ، دار القلم ، 1985.
  - يقول أفلاطون، ص 30:" علينا أن نسلّم أن كل حكومة لا تطلب كحكومة، إلا ما هو" لخير المحكومين"
   - ويضيف في ص5 "العدالة عدالتان، عدالة الفرد وعدالة الدولة" وتقوم العدالة عنده على مراعاة كل فرد لاختصاصه والتعاون مع الآخرين، لأنّه لا يسدّ حاجاته بنفسه".
[22] Platon .Sophiste-Politique- Philebe-Timée- Critias .Traduction par Emile Chambry- Flammarion. Paris.1969. p196
[23]    Aristote .Politique. traduit par Jean Aubonnet .Gallimard.1993 pp 6-7-
[24]  - م، ن 34
[25]  - أبو الحسن العامرى (ت 380هـ ) السعادة والإسعاد في السيرة الإنسانية، تحقيق أحمد عبد الحليم، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة1991، ص 230.
[26]  - مسكويه" نصوص غير منشورة " ص 199،  مصدر ذكره محمد أركون في نزعة الأنسنة، 439.
[27] - فيليب برو(Ph.Perrau)، علم الاجتماع السياسي، تعريب محمد عرب صاصيلا، المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع، ط1، لبنان، 1418 هـ/ 1998م ص 343.
[28]  -الفارابي (ت 331هـ)، كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة، 43.
[29]  - محمود على أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، ص ،256.
 - تعد إشكالية الوحدة والكثرة إشكالية قديمة في الفلسفة اليونانية، منذ أن أثار سقراط في محاورة "برمينيدس " مسألة رد الكثرة المحسوسة إلى الوحدة .(م ، ن ص 250)
[30]  - الفارابي، كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة، ص، 46.
[31]  - م ، ن ، 46
[32]  - الفارابي، كتاب السياسة المدنية، 9
[33]  - محمد عابد الجابري، نحن والتراث قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، بيروت 1993 ص 72
[34]  - م ، ن ، 72
[35] - الفارابي، كتاب الملة و نصوص أخرى، حققها وقدم لها محسن مهدي، دار المشرق، بيروت 1986، ص 11
[36] - Plotin. Traité. 53.par Gwenaelle Aubry.Les Editions du CERF.Paris2004 .p93    
[37]  - الفارابي، إحصاء العلوم، صححه عثمان محمد أمين، مكتبة الخانجي، مصر1350هـ-1931م ص2
[38]  - Muhsin Mahdi.La Cité Vertueuse d’Alfarabi , traduit par François Zabbal , Editions Albin Michel .S.A .Paris 200p .170.                           
[39] - م ، ن، 180
 - يرى محسن مهدي أن التوفيق بين الفلسفة والشريعة في فلسفة الفارابي إنما هي مقاربة جديدة للتوفيق بين أحسن النظم (جمهورية أفلاطون) والشريعة الإسلامية، وهذه المقاربة تماثل عمل سقراط (وأفلاطون) في الفلسفة اليونانية في ربط الفلسفة بالمدينة.(م، ن، 173).
[40] - الفارابي، إحصاء العلوم ، 65.
[41]  - م ، ن، 67.
[42]  - الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة ، 104.
[43]  - م ، ن،  104
[44]  - م ، ن،  106
[45]  - م ، ن،  108
[46]  - م ، ن،  109
[47]  - أفلوطين، تاسوعات أفلوطين، نقله  فريد جبر، ط1 ، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، 1997، ص 61
[48]  - الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، 115.
[49]  - الفارابي، كتاب الملة، 43.
 - يقول في ص 43: " إن كان فاضلا وكانت رئاسته فاضلة  في الحقيقة، فإنّه إنّما يلتمس بما يرسم من ذلك، إن يقال هو وكل من تحت رئاسته السعادة القصوى... وتكون الملة فاضلة".
[50]  - الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، 97.
[51]  - ابن سينا (ت 428هـ) عيون الحكمة، حققه وقدم له عبد الرحمان بدوي، ط2، وكالة المطبوعات دار القلم، بيروت 1980 ص 16
[52]  - ابن سينا، الشّفاء (الإلهيات ) تحقيق الأب قنواتي وسعيد زايد،  وزارة الثقافة، الجمهورية العربية المتحدة، ص 441.
[53]  - لئن بدا تأثّر ابن سيناء بالفارابي واضحا، فإن ذلك لا يحول دون تحقيق الإضافة. وبدا ذلك من خلال تقسيمه للعلم، فالعلم العملي لديه يكمن في الأخلاق وتدبير المنزل والمدينة والنبوّة، فضلا عن القول بوجوب توفر الحسّ المشترك، إذ لا يكفي الانفعال بالمحسوس.
[54]  - ابن سينا، الحكمة العروضية، تحقيق وشرح محمد سليم سالم، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1950 ، ص38.
 - مصدر ذكره علي عبّاس مراد، دولة الشريعة قراءة في جدلية الدين والسياسة عند ابن سينا، ط1، دار الطليعة، بيروت، 1999، ص 98.
[55]  - علي عباس مراد، م، ن،  98.
[56]  - ابن سينا، الحكمة العروضية، 41.
[57]  - ابن باجة (ت 533هـ) تدبير المتوحد، سراس للنشر، تونس 1994، 6.
 - لا يرى ابن باجة جدوى من الحديث عن تدبير المنزل لقوله في ص 9 : " إن كمال المنزل ليس من المقصود لذاته، وإنما يراد به تكميل المدينة، أو غاية الإنسان بالطبع ".  ثم يضيف :" تبيّن أن القول في تدبير المنزل، على ما هو مشهور، وليس له جدوى ولا هو علم."
[58]  - م، ن، 13.
[59]  - م، ن، 10
[60]  - م، ن،  12 
 - يكتسي مصطلح "نوابت " معنى إيجابيا لدى ابن باجة، على عكس الفارابي. ويقول ابن باجة: "فأما من وقع على رأي صادق لم يكن فيها نقيضه، هو المعتقد فإنهم يسمون النّوابت. ".
[61]  - ابن رشد (ت 595هـ) تلخيص السياسة لأفلاطون، نقله حسن مجيد العبيدى وفاطمة كاظم الذهبي، ط 1، دار الطليعة، بيروت، ص 66.
-[62] ابن رشد، تلخيص السفسطة لأرسطو طاليس، ضبطه موفّق فوزي الجبر، ط1، التكوين للطباعة والنشر، دمشق2000 
[63]  - م، ن ،69-70.
 - يقول ابن رشد:" من الضروري أن توجد هناك جماعة من الناس تتصف بسائر أصناف الكمالات الإنسانية يعضد كل واحد منهما الآخر لأجل بلوغ الكمال أقصاه، فيعضد الأكمل منهم الأنقص".
  - أنظر أيضا مصطفي ابن تمسك، الفلسفة السياسية عند ابن رشد، شهادة الكفاءة في البحث، إشراف عبد الرحمان التليلي، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس 1991 ص31.
[64]  - ابن رشد تلخيص السفسطة،139  
[65]  - م، ن، 122 يقول: " الإنسان الحكيم هو الذي تسود فيه القوة العاقلة وإلى الأبد على القوى الأخرى..ومثله كذلك حال المدينة...والتوافق والعدالة في نفس الفرد، هما ذاتهما التوافق والعدالة في المدينة."
[66]  - ابن رشد، م، ن187.
[67]  - م، ن 180.
[68]  - م. ن. 180.
[69]  - ابن رشد، الضروري في السياسة، مختصر كتاب السياسة لأفلاطون ، نقله عن العبرية أحمد شحلان ، ط 2 ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت .2002. ص 187.
[70]  - التوحيدي، الإمتاع و المؤانسة
[71]  - حسين مروة، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، ط 2، دار الفارابي، الجزائر 2002. /II 269.
   - يرى حسين مروة أن إستراتيجية إخوان الصفاء تنتظم بما وصفه بـ "العمل البرنامجي" الذي يمتد على "الرسائل" الخمسين  و"الرسالة الجامعة" التي تمثل النقطة القصوى "لإستراتيجية الجماعة" (م، ن /II 278)
[72] - إخوان الصفاء، رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء، تحقيق عارف ثامر، ط 1، منشورات عويدات، بيروت 1415 هـ /1995 م ص 7
[73] - م، ن، 12 جاء فيها: " فصل في الإبداع الأوّل والقول، بأن علم العدد فيض العقل على النفس. "
[74] - م، ن، 85 جاء فيها: " ولما كان آخر مرتبة الإنسان متصلا بأوّل مرتبة الملائكة، وآخر مرتبة الحيوان متصلا بأوّل مرتبة الإنسان، وجب أن يكون مجموعا من العالمين متوسطا بينهما."
[75] - م، ن، 86 جاء فيها: " لمّا كان الإنسان عالما صغيرا وجب أن يكون موجودا في بنيته وموجود خلقته وعجيب فطرته مثالات لما في العالم الكبير الذي هو إنسان كبير. "
[76] - م، ن، 320
[77] - مصطفي التواتي، المثقفون والسلطة، II/ 278-294-295.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire