التّعذيب وإنتاج التواصل العقابي
تمهـيـد
يمكن القول مع ابن جنّي أن " اللغة أصوات يعبّر بها كل قوم على أغراضهم". وهو ما ذهب إليه أيضا اللساني "ادوارد سابير" « E. sapir » في قوله: إن "اللغة هي وسيلة التواصل المثلى لكل المجتمعات المعروفة"[1] فعملية التواصل تتطلب العلم باللغة وبقواعدها مثلما تتطلب قدرة أو كفاءة لغوية قصد تفكيك الرسالة اللغوية. فعلم اللغة يدرس تركيب الرسالة الكلامية وتركيب النظام الكامن وراءها بل إن اللغة ليس وسيلة تواصل بين الأشخاص فحسب بل هي وسيلة بين الفرد وذاته بواسطة "استنباط الكلام والأوجه المختلفة لتلك اللغة الباطنة التي تسبق مقولاتنا المنطوقة... والتي تقرر سلوكنا الداخلي والخارجي وتصنع الأجوبة الصامتة للمستمع المقدّر".[2]
ولئن كانت اللغة تحمل نظامنا علاميا إشارايا فان التواصل كثيرا ما يكون ممكنا خارج اللغة أو ما وراء اللغة، فالسيمياء من حيث هي دراسة التواصل بواسطة جميع أشكال المراسلات تمثل دائرة مركزية تحيط بالألسنية، وهي أوسع منها أو كما قال "سابير" كل نظام ثقافي وكل فصل سلوك اجتماعي متفرّد يفترضان كلاهما وجود التواصل إما في معنى يتبين أو في معنى مضمر[3]
فالباحث في شأن التواصل عليه أن يكون مزوّدا بمعارف شتّى نظرا لاتساع عملية التواصل لأن "ظواهر التواصل تبدو لدى المحلّلين المتمرّنين بمثابة "البنية الفوقيـــة" (كارل ماركس) في الوقت الذي هي ليست انعكاسا" (انجلز) أو جملة ظواهر"[4] وهو ما دفــــع "جاك لاكان" (J .Lacan.) إلى القول بإمكانية التحليل النفسي للغة في قولة" سنفشل في معالجة السؤال عن طبيعة اللغة طالما إننا لم نتخلص من الوهم القائل بأن وظيفة الدال تكمن في أنه يمثل المدلول أو بالأحرى إن الدال لا يوجد إلا بناء على معنى معين"[5]
ولما كانت عملية التواصل متسعة حاولنا ضبطها والتمثيل إليها انطلاقا من حصرها ضمن مصطلح المصادرة في تراوحه بين غموض الفهم وعوائق التواصل وفي امتداداته السلطوية‘ فبحثنا في إمكانية إنتاج التواصل عبر ممارسة القمع، فضلا عن استقرائنا لظاهرة الجسد المعذب باعتباره مصطلحا وتواصلا وحاولنا استنطاق التواصل من أشكال المصادرة ومن خلال حدث المناظرة تحديدا.
فى منهج التعامل:
تمكننا العودة إلى الأطروحات اللسانية عبر مختلف المدارس من تبين آليات التواصل ووقفنا عند أطروحة "رومان جاكبسون". في معالجة المسألة المطروحة.وعمدنا إلى تبين محاور المداخلة أهمها.
- مفهوم المصادرة
- مفهوم التواصل
- البنية التداولية للمناظرة
- سيميولوجية الجسد المعذب والتواصل السلطوي.
وهذه المحاور تتكامل في ما بينها للوقوف عند حدث التواصل.
1- مفهوم المصادرة
يعود معنى المصادرة إلى استعمال كتاب الدواوين "فيقال صودر فلان العامل على مال يؤديه أي فورق على ما ضمنه " والصدرة نقيض الورد . صدر عنه يصدر صدرا ومصدورا"[6] .
وتفيد الأخذ والاستخراج والمطالبة والاستصفا ء والحجز ويمكن تبين معنيين للمصادرة.
1- المعنى الضيق وهو فصل التتبع والاستقصاء على المتهمين بسرقة الأموال بطريقة غير مشروعة.
2- المعنى الواسع: وهو معنى كلي تدخل ضمنه العديد من اصطلاحات الإداريين والمؤرخين وتفيد عمليات التتبع والمناظرة وإخضاع المصادرين لعمليات تعذيب واسطة واتخاذ إجراءات قانونية ضدهم.
1-مفهوم التواصل
نعوّل على أطروحة "جاكبسون" التي حدّدت أطراف التواصل والعملية التواصلية بالتركيز على العناصر التي تندرج ضمن مبحثنا وهي كالآتي:
- الانتقال من الجزء إلى الكلّ ويبدو تأثير"هسرل" (Husserl) في "الأبحاث المنطقية" في جاكبسون الذي اعتمد الفلسفة الظاهراتية في دراسة التواصل بالرّبط بين الأجزاء والكل بحثا عن الجواهر. فيقول "جاكبسون" :" ما يوحّد الأجزاء ونوعها يحدّده الكل ويعطيه شكله المميّز"[7].
وعبر استتقرائه للغة تبين "جاكبسون" أن الكلام يبنى على دعامتين الاستعارة (Métaphore) والمجاز المرسل (Métonomye) .
- الصلة بين الشكل والمضمون: يقوم التواصل عند"جاكيسون" على الربط بين الشكل والمضمون في قوله " أنا لا أِؤمن بالأشياء في حدّ ذاتها بل أؤمن بالعلاقات القائمة بينها"[8].
كما يربط "جاكبسون" بين العلاقات التزامنية و الزمانيةSynchronie/diachronie) ) لأن التزامن ليس بالضرورة سكونا.
- التواصل بالكلام والتواصل بالكتابة
تقوم عملية التواصل بين المرسل والمرسل إليه والرسالة ونظام الرمز أو الشفرات.وترتكز على الكفاءة اللغوية والظروف الحسية للتواصل واختيار الموضوعات وأضافت "كاترين أوريكيوين" (Catherine Orecchion) التحديدات النفسية والتحليلية بالإضافة إلى الكفاءة الثقافية والايديولوجية لكل من المرسل والمرسل إليه.
- واعتمدنا فى هذه المقاربة أطروحات التداولية كما جاءت لدى "أوستين" وسيرل و"غرايس". فوضعنا أهم المفاهيم التداولية في قراءة المناظرة أثناء المصادرة.
3- البينة التداولية للمناظرة
تقوم المناظرة على فن تبادل الحجج وتتم بين المصادرين والأطراف القائمة بفعل المناظرة بحضور القضاة والفقهاء بالإضافة إلى المستخرج وتهدف إلى استنطاق المصادر، وهي ضرب من ضروب التخاطب بين القوى وهي فعل يتضمن الإدانة بالنهب والسرقة والاختلاس أو بالإثراء بطرق غير مشروعة والاعتداء على الأموال.
ونورد نموذج للمناظرة بين ابن الفرات وعلى بن عيسى إذ يقول ابن الفرات "أمر أمير المؤمنين بمطالبتك بالأموال التي جمعتها وخنته فيها، فينبغي أن تقرر وتصون نفسك من المكروه" [9].
ويرد على بن عيسى في قوله: "من كان في مثل حالتي وتحت سخط السلطات كاشفه الناس بالكذب والباطل ولا سيما إذا كان الوزير منحرفا ومغتاظا... وانحصر أكثر المال إلى أعطيات الجند ونفقات العساكر"[10] ويذكر مسكويه أن ابن الفرات "أخذ.. في توبيخ على بن عيسى وعاتبه على أمر وقوف وقع أمير المؤمنين بردّها عليه... وكان المحسّن حاضرا فأطنب في توبيخه وتقريضه على هذا الباب"[11]
ويذكر ابن الفرات خبر حبسه ودخول ابن ثوابة عليه ومعه أم موسى في قوله:" فطالب بذلك وأسرف في سبّي وشتمي ورماني بالزنا، فحلفت بالطلاق والعتاق والأيمان المغلظة أني ما دخلت في شيء من هذا الجنس منذ نيف وثلاثين سنة"[12] تبين المناظرة فضلا عما تحمل اللغة من طابع ترميزي ومواضعة على معاني تتجاوز الترميز لتتصل بمقاصد المتكلم لأنها تقوم بالأساس على الإخلال بمبدأ المشاركة ومعرفة أفكار الآخرين" فهي تعصف باستراتيجية المؤول وبما يعرف بـ" نظرية المعرفة المشتركة".
ولئن كانت اللسانيات تسلم بوثوقية استراتيجية المؤول أو هي "موثوق بها" الاشتراك في المعارف فان الموقف العدائي بين المناظر والمصادر أو المستخرج يبحث عن أفكار الآخرين عبر التعسف فى الاستنطاق وانتزاع الاعتراف عبر تقنية التعذيب.
ولهذا ينحصر الكلام فى البعد التداولي باستعمال جمل تخل بمنطق الصدق والكذب إذ لا تهدف إلى الاستدلال وقول الأشياء عن حالة الكون بقدر ما تهدف إلى السعي لتغييره فنلاحظ كثافة "الأفعال الإنشائية" التي تهدف إلى التوفيق أو الاتقاق على عكس الأفعال الوصفية كمال يلاحظ"أوستين" فالعمل القولي يتحقق عبر القول مثل أفعال التهديد والوعد التي يمارسها المستخرج على المعذب[13] .
وبالعودة إلى نظرية "سرل" في الأعمال اللغوية نلاحظ كثافة قوة القول على حساب المحتوى القضوي للجملة وخاصة عبر الشتم والتصغير من شأن المناظر[14].
- المناظرة والاخلال بمنطق المحادثة
تبنى المناظرة على ثنائية سؤال وجواب التي تتضمن الاتهام والإنكار وهو ما يعطل "منطق المحادثة" بعبارة "غرايس" وفي ذلك إخلال بمفهوم الاستلزام الخطابي ومبدأ التعاون لأن عسف المسخرج واجراءات الاكراه تعطل هذا المبدأ وبذلك تصبح المشاركة خالية من مبدأ المساهمة في المحادثة بكيفية عقلانية ومتعاونة لتيسير تأويل الأقوال ويتم هذا التعطيل عبر الاخلال بأربعة قواعد:
- قاعدة الكم: يفترض أن تتضمن مساهمة المتكلم حدا من المعلومات يعادل ما هو ضروري في المقام ولا يزيد عليه[15] وفي هذا المقام تبدو مساهمة المتهم أقل بكثير مما يتوقع المستخرج ولذلك يتواصل فعل الإدانة والتعذيب فيختل منطق المحادثة.
- قاعدة النوع: تقوم المناظرة أساسا على الإخلال بهذه القاعدة المتمثلة في نزاهة القائل (الكذب) وعدم امتلاك الحجج الكافية لإثبات براءته .
- قاعدة العلاقة: يحدث التباين السلطوي بين مركز الوزير أو المستخرخ والمصادر الإخلال بالتناسب في القول.
- قاعدة الكيف: يــــؤدي أسلوب التعذيب أو بطلان التهمة إلى إحداث اللبس واضطراب تسلسل المعلومات فيتعطل التواصل وهكـــذا يتم انتهاك قواعد التواصل بشكــل ملحوظ.[16]
- ويبدو أن سبب ذلك يعود إلى الإخلال بمدأ التعاون والتواصل الاشاري الاستدالي وهو مبدأ عام أو ما يعبر عنه بـ "مبدأ المناسبة" الذي يتضمن أن يكون "كل قول يولد لدى المخاطب انتظار المناسبة الخاصة به (أي القول) "[17] وهكذا يتم الإخلال بمبدأ التعاون والمناسبة فتختل استراتيجية الـتأويل وتضطرب الكفاءة اللغوية والمعارف المشتركة تبعا للتفاوت السلطوي.
4- سيميولوجية الجسد المعذب وتقنيات التواصل السلطوي:
تعبر السيميائية عن "كل الأنشطة المستعملة للعلامات والدوال مهما كان الباث أو المتقبل فنلاحظ أن التواصل ليس هو فقط فعل بين إنسان وإنسان ولكن بين أنظمة إنسان – أدوات"[18] فالتعذيب يأتي في شكل ممسرح يكون "الحفل التعذيبي" بحضور الجسد المعذب الذي يحمل أزياء تحيل على الاهانة والتحقير ومن ذلك ما ورد في كتاب الوزراء فى قول ابن الفرات: "قيدني بقيد ثقيل وألبسني جبة صوف قد نقّعت في ماء الأكارع"[19] ولئن كانت مشاهد التعذيب تحقق التواصل بين السلطة والجمهور فان مسرحة التعذيب لا تبرر العقابية إذ يقول ميشيل فوكو: "جسم المحكوم هو من جديد قطعة أساسية في احتفال العقوبة العامة، إن على المتهم أن يظهر إدانته وحقيقة الجريمة الذي ارتكب فيظهر جسده ويتحول ويعرض ويعذب"[20]
فالتواصل يحمل علامات غير اشارية انطلاقا من سيميولوجيا الجسد وبذلك تغدو التعبيرات الجسدية نظاما اصطلاحيا يقيم التواصل السلطوي . وهو ما يؤكد أن المعالجة الاشارية اللغوية باعتبارها رموزا فقط ليست سوى تبسيطا خادعا. فالإشارات الجسدية تنتج مباشرة بواسطة الأعضاء الجسمية.
وهكذا يدخل الجسد بما يحمل من أزياء وأثقال وقيود في الدلالة السلطوية ليكون ممكنا من ممكنات التواصل فنمر من قمع الجسد إلى قمع الدلالة بإجباره على الصمت وتحميله بعلامات جديدة فيحتل الحقل السلطوي مكان الحقل الدلالي وتتذبذب مستويات الفهم والتواصل انطلاقا من أشكال المصادرة.
ففي المصادرات النموذجية أين تتوفر الخطوات الضرورية للمصادرة نجد التواصل مبررا وواضحا. ويضعف التواصل فى الأشكال الفوضوية للمصادرة . ولعل الانطلاق من المصادرة باعتبارها لحظة انتقام تجعل من السياق آلية تتحكم فى العملية التواصلية .
خاتمة: لئن كانت عملية التواصل تتطلب العلم باللغة وبقواعدها فان إدراجها في العملية التداولية وفي لعبة السلطة تجعل إمكانيات التواصل صعب لما يحدث من اختلال في الكفاءة اللغوية تبعا للتفاوت السلطوي والإخلال بمنطقة ومبدأ التعاون الذي يعوضه مبدأ المزايدة والصراع.
المراجـــــــــــــــــــــــع
(1) Roman Jakobson le language en relation avec les autres systèmes de communication in essais de linguistique générale tome II pp 91. 103.
(2) م. ن ص ص 91 - 103
(3) م . ن ص ص 91 - 103
(4) Encyclopeadia Universalis, article « communication », corpus 6 S.A-1990.p 195.
(5 ) ماري زيادة "اللسانيات وخطاب التحليل النفسي عند جاك لاكان" الفكر العربي المعاصر، عدد 23 ص 59.
(6 ) ابن منظور لسان العرب مادة ( صدر) دار صادر مج 4 بيروت 1997 ص ص 21-22
(7)Elmar . holenstein. Jakobson ou le stuctulisme phénomienologique ségheres. Paris . P.8
8) فاطمة الطبال بركة – النظرية الالسنية عند رزمان جاكبسون المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط 1، 1413 هـ 1993م. ص 27
(9)R. jakobson , essais de linguistique générale . tome II minuit Paris 197. p 133
(10)مسكويه: كتاب تجارب الامم ج 1 ص 108
(11)المصدر نفسه ج 1 ص ص 106 – 107
(12)المصدر نفسه ج 1 ص 111
(13)المصدر نفسه ج 1 ص ص 90
(14)J. Austin, Haw to do things with words 1962
(15)J.R Searle : speechacts, Acts, An essay in the philosophy of language; 1969
(16) آن رديول وجاك موشلار: التداولية اليوم علم جديد في التواصل ، ترجمة محمد الشيباني ولطيف زيتوني دار الطليعة، ط 1 بيروت 2003 ص 55
(17) P.Grice “ William James lectures” 1980
(18) E.U. p 195
(19) الصابىء الوزراء تحقيق عبد الستار أ؛مد الفراج دار احياء الكتب العربية 1959 ص 106
(20) ميشيل فوكو المراقبة والمعاقبة ولادة السجن مركز الانماء القومي بيروت ص 72
[1] ) Roman Jakobson le language en relation avec les autres systèmes de communication in essais de linguistique générale tome II pp 91. 103.
[4] Encyclopeadia Universalis, article « communication », corpus 6 S.A-1990.p 195.
[8]فاطمة الطبال بركة – النظرية الالسنية عند رزمان جاكبسون المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط 1، 1413 هـ 1993م. ص 27
[16] ) آن رديول وجاك موشلار: التداولية اليوم علم جديد في التواصل ، ترجمة محمد الشيباني ولطيف زيتوني دار الطليعة، ط 1 بيروت 2003 ص55

شكرا على هذه المقالات الرائعة
RépondreSupprimer