jeudi 19 avril 2012

التواصل


الاستشراق إرادة المعرفة أم إرادة الهيمنة؟
par الدكتور العروسي لسمر, jeudi 19 avril
 2012, 09:38 ·
 
الاستشراق إرادة الحقيقة أم إرادة الهيمنة؟
* تمهيــد
إذا كان تاريخُ الحقيقةِ هو تاريخُ صراعِ الإراداتِ المحكومةِ بعلاقاتِ القوى فقد بات من الضروريِ  أن تتشكّلَ سلطةٌ تتجسدُ في الاستراتيجيات التي تفعلُ فيها تلك الإراداتُ. وتخضع بدورها لنظام هيمنة لا يتجلى دائما في صورةِ عنف وقمع بقدرما يأخذُ صورةَ القانونِ والخطابِ والمؤسّساتِ. فخطابُ الحقيقةِ ينتجُ ويورّعُ بطريقة تضمن إعادةَ إنتاجِ سلطةِ "جماعاتِ الخطابِ" واستمراريّتِها. وتثيرُ الخطاباتُ الاستشراقيةُ عدّةَ إشكالياتٍ تنجرّ عن قراءة "ثقافة عليا" " لـ"ثقافة دنيا". وهي ق
راءةٌ محكومةٌ باستراتيجيةٍ خطابيةٍ تحجبُ الهدفَ من دراسةِ الشرق وتتستّر عن رهاناتِه. ويستدعي ذلك ضرورةَ الحفر في الآليات التي تدعمُ الاستشراقَ في ابتداعِ صورةٍ وهميةٍ عن الشرق، ويستلزم الوقوفَ على دور التمثلات الايديولوجية في إضفاء الصفة الشرقية المتخيلة على الشرق.
وسنعمد إلى دراسة بعض النماذج لاختبار هذه الفرضيات، فنقف على قراءة إدوارد سعيد خاصة وموقفِ محمد أركون من الظاهرة الاستشراقية. ثم نعرضُ مواقفَ المستشرقين من خصومهم. 
1 - قراءة إدوارد سعيد: جدل الثقافة والإمبريالية 
ينطلق إدوار سعيد من ضرورة دراسةِ الاستشراق باعتباره خطابا مزدوجا تحكمه جدليةُ المعرفةِ والايديولوجيا. فيقول "ما لم نفحصْ الاستشراقَ باعتباره لونا من ألوان "الخطاب" فلن نتمكّنَ مطلقا من تفهّم المبحثِ البالغِ الانتظامِ الذي مكّن الثقافةَ الأوروبيّةَ من تدبير أمور الشرق، في مجالات السياسةِ وعلمِ الاجتماع، وفي المجالات العسكريّة والايديولوجية والعلميّة والخيالية في الفترة التالية لعصر التنوير"[1]. ويفضي هذا التصوّرُ بالضرورة إلى أمرين على الأقل:
أولا عدمُ الاكتفاءِ بتعريف الخطاب تعريفا لسانيا، بل ضرورةُ البحثِ في نظامه وإجراءاته كالحظر والنبذ والإبعاد والإقصاء. ثانيا ضرورة الكشفِ عن علاقةِ المعرفةِ بالسلطة من خلال الخطاب الاستشراقي. ولا بدّ من  الإلمامِ بالمضمراتِ الخطابيةِ عن طريق البحثِ في استراتيجية تخفي الايديولوجيِ بحجاب المعرفي.  ومن هنا تقول "كاترين أوريكيوني":"إن الإيديولوجيا توجد في كل مكان. إنها تخترق الخطاباتِ العلميةَ نفسَها، إلا أننا لا نستطيعُ تقويمًها بمفاهيمِ الخيرِ والشرِ إلا في علاقتِها بمشروعٍ سياسي شاملٍ."[2]
- يعني أن دراسةَ الشرقِ تخفي إرادةَ الهيمنةِ الثقافيةِ طالما أنّ "العلاقاتِ بين الغربِ  والشرقِ هي علاقةُ قوّةٍ وسيطرةٍ، ... ولم يكن سببُ إكسابِ الشرقِ للصورة التي رُسم بها يقتصرُ على أنّ من رسموه اكتشفوا أنه يمكن أن يصبح "شرقيا" بالصورة الشائعة لدى الأوروبيّين العاديّين...ولكنه يتجاوزَه إلى اكتشافِ إمكانِ جعلهِ كذلك، أي إخضاعِهِ لتلك الصورةِ الجديدةِ للشرقِ."[3]
فكيف يمكّن مفهومُ الخطابِ من كشف هذا الارتباطِ بين المعرفة والهيمنة؟ فالتماهي بين القطبين (معرفة/هيمنة) ينشأ عن سمة الخطاب التداولية التي يكشف عنها سياقُ الاستعمالِ لأنّ الخطابَ هو اللسان في وضع الاستعمال. ويشكل السياقُ قوةً ضاغطةً على الخطاب كما يقلصُ فجوةَ سوءِ الفهمِ إذ يقول "بول ريكور":" يقلص الدورُ السياقيُ...ميدانَ سوءِ الفهمِ...ويتغلّب على مصاعبَ عدمِ إمكانِ نقلِ التجربةٍ"[4] ويرى "هايمس"(Haymes) أن للسياق دورا مزدوجا فهو " يحصر مجالَ التأويلاتِ الممكنةِ...كما يدعم التأويلَ المقصودَ"[5].
ويعتبر "فايركلاف" (Fairclough) الخطاب إنتاجا اجتماعيا. يقول:"أقترح المحافظةَ على اللغة المستعملة عند استعمال مصطلحِ الخطابِ باعتبارها شكلا من أشكال الفعل الاجتماعي"[6]. وهذا يشير إلى أنّ  التبادلَ اللسانيَ لا يقتصر على مجرد فك الشفرات بقدرما يعكس صراعَ القوى الاجتماعية، لذلك يرى "بيير بورديو" أنّ "اقتصادَ التبادلِ اللسانيِ" يؤثّر في "العالمِ الاجتماعيِ باعتباره كونا للتبادل اللساني"[7]   كما يكشف عن "التنازع على الرأسمال الرمزي أو الإنتاجِ اللسانيِ"[8].
أي أن الفاعلين الاجتماعيين يتأثرون بضغط السياقاتٍ الاجتماعية و إكراهاتِها، بالإضافة إلى ضغوطات مؤسسةِ الرقابةِ الاجتماعية، إذ يفترض "فوكو" أن "إنتاجَ الخطابِ، في كلِ مجتمع، هو إنتاجٌ مراقبٌ، ومنتقى، ومنظّمٌ، يعادُ توزيعُه من خلال عددٍ من الإجراءات التي يكون دورُها هو الحدُ من سلطاتِه ومخاطِرِه، والتحكمِ في حدوثه المحتمل، وإخفاءِ ماديته الثقيلة والرهيبة. "[9]
ولئن بدا الخطابُ في ظاهره شيئا بسيطا، فإنّ أشكالَ المنعِ التي تلحَقه تكشف عن عميقِ ارتباطِه بالرغبة والسلطة "[10] فالخطابُ كما أكّد التحليلُ النفسيُ ليس ما يطفو أو يخفي الرغبةَ، بل هو موضوعُ الرغبةِ ذاتِها. ومن هنا يقول فوكو في "حفريات المعرفة":" الخطابُ الظاهرُ ليس في نهاية المطاف سوى الحضورِ المانع لما لا يقولَه؟ وهذا الما لا يُقال هو باطنٌ  يُلغِمُ، من الداخل، كلَ ما يقالُ."[11] و"الخطابُ ليس ما يترجمُ الصراعاتِ أو أنظمةَ السيطرةِ، لكنّه هو ما نصارعُ من أجله، وما نصارعُ به، وهو السلطة التي نحاول الاستيلاءَ عليها.
ويفترض إدوارد سعيد، الذي يعتمد مفهومَ فوكو للخطاب، أنّ هيمنةَ الخطابِ تمر عبر وسائطٍ خطابيةٍ ووسائلَ غيرِ خطابيةٍ فيقول :"الاستشراقُ أسلوبٌ "للخطاب" أي للتفكير والكلامِ تدعمه مؤسّساتٌ ومفرداتٌ وبحوثٌ علميةُ، وصورٌ ومذاهبُ فكريّةٌ"[12]. ويصح التساؤل في هذا السياق: هل لا توجد معرفةٌ من دون سلطةٍ؟ أم أن السلطةَ  تتماهى بالضرورة مع المعرفة، أو أن الحقيقةَ لا يمكن أن تنفصلَ عن علاقاتِ الهيمنةِ والقوةِ ؟
ويحلل إدوارد سعيد استراتيجية الاستشراق من جهة تداخل المعرفي والايديولوجي فيحدد ثلاثة معاني للاستشراق:
* مفهوم الاستشراق  
1- يتمثل المعنى الأولُ في أنه مبحثٌ أكاديميٌ مخصوص يشمل اعتباراتٍ جغرافيّةً تشكّل خصوصيّةَ موقفِ الاستشراقِ وشذوذِه[13] ويجسد ذلك إدانةً في نظره.
2- وهو معنى يتّصل بالتقاليد الأكاديمية، باعتباره أسلوبَ تفكيرٍ يقوم على التمييز الوجوديِ والمعرفيِ بين ما يسمّى بـ"الشرق" و"الغرب".
3- يستند على التمييز الأساسي بين الشرق والغرب باعتباره نقطةَ انطلاقٍ لوضع نظريّاتٍ مفصّلةٍ، وإنشاءٍ ملاحمَ ودراساتٍ سياسيّةٍ عن الشرق.
*منهجية التعامل مع الظاهرة
- يلح إدوارد سعيد على وجوب التمييزِ بين المعرفةِ الخالصة/ والمعرفة السياسيّة لأن الاهتمامَ الأوروبيَ ثم الأمريكيَ بالشرق كان اهتماما سياسيا.
- من دراسةِ الموقعِ الاستراتيجي لوصف موقعِ المؤلفِ إزاء المادةِ الشرقية. ثم يدرسُ التشكيلَ الاستراتيجيَ، عن طريق تحليل العلاقةِ فيما بين النصوص التي تتمكن بها مجموعةٌ من النصوص، أو أنماطٌ من النصوص من اكتساب الصلابة والكثافة والقوة المرجعية فيما بينها.
ويرى أنّ المشكلةَ الأساسيةَ التي يواجهها كلُّ كاتبٍ عن الشرق، هي كيف يحيطُ بالشرق، وكيف يكون مدخلُه إليه وكيف يحولُ دون انهزامِه الشخصيِ أمام سموِّ الشرق الروحي ونطاقِهِ الشاسعِ، وأبعادِه الرهيبةِ. ولا بد لكل من يكتبُ عن الشرق أن يضع نفسََه في موقعِ مواجهة مع الشرق.
- ضرورة "احتواء" الشرق، ثم تمثيله أو التحدّث باسمه"[14] فكلُّ كاتبٍ يتخذ لنفسه معرفةً مسبقةً عن الشرق يعتمدها.
== أي أنّ "الذي يجري تداولُه بين الناس في "الخطاب الثقافي" وبين المبادلاتِ داخلِ ثقافةٍ من الثقافات ليس "الحقيقةُ" بل صورة تمثيلية."[15] عن الحقيقة. وهكذا تسيطر الصورةُ المتخيّلةُ على الحقيقة فتزيّفُها وتكيفُها مع مصلحة الدارس، وتخضع الموضوعََ للمعرفة المسبقة، وفي ذلك تضييع للحقيقة التاريخية والموضوعية.
فالمستشرقون لا ينظرون إلى الشرق في ذاته ولذاته بل يتعاملون مع صورة متخيلة ومركبة أو مع تمثل ايديولوجي، تحت ضغط المركزية الغربية والنظرةِ الدونية إلى الآخر، ومبدإ أسبقيةِ الذات على الآخر، لغاية إنتاج تلك المركزية مقابل إعادة إنتاج هامشية الآخر.
==وننتهي إلى أن مفهومي الشرقِ والغربِ قد وظفا في سياقاتٍ مشحونةٍ ايديولوجيا مما ساهم في إنتاج صورةٍ نمطيّةٍ عن الغرب والشرق موصولة بعلاقة صداميّة وسلبيّة.
 - ولما كانت كلُّ سيطرةٍ تنتج موضوعَ سيطرتِها فقد "كان الشرقُ شبهَ اختراعٍ أوروبيٍّ "[16].
==وهكذا نشأت صورةٌ مركبةٌ عن الشرق، وأصبحت ملائمةً للدراساتِ في المعاهد العليا، وللعرض في المتاحف"[17] عن طريق الجغرافيا الخياليّةِ وصورِها قصد إضفاءِ الصفاتِ الشرقيةِ على الشرقِ أو إنتاجِ شرقٍ وهميٍ أو "شرقٍ مستشرقٍ". وكانت هذه الصورةُ ترتكز على ثوابتَ عرقيةٍ وجغرافيةٍ والحالُ أنَ الإنسانَ محكومٌ بالتاريخِ والظروف الاجتماعية والاقتصادية.
- وساهمت هذه الصورةُ في تمرير الخطاباتِ الاستشراقيةِ النازعةِ إلى الهيمنةِ عبر مؤسساتٍ غيرِ خطابيةٍ أو هي هيمنة ممأسسة.  أي أنّ إرادةَ المعرفةِ ترتكز على دعامةٍ مؤسّسيّةٍ كسائر منظوماتِ الإبعادِ الأخرى. وتظل موجهةً بالكيفيّةِ التي تُقسّم بها المعرفةُ وتُمنح صورةً ما. ويجوز التساؤلُ عن الغاية النهائيةِ لخطاب الاستشراق إذا ما أخذنا بعين الاعتبار هذا التماهي بين الحقيقة والسيطرة. إذ يقول نيتشه:" لم يكتشفْ إلا في وقتٍ متأخّرٍ أنّ الحقيقةَ هي الشكلُ الأقلُ ضرورةً للمعرفة."[18] 
- وننتهي إلى أن إدوارد سعيد تمكن من الوقوف على أهم مآزق الخطاب الاستشراقي وتفطن إلى التداخل الكثيف بين المعرفي والايديولوجي. لكن محاولتَه تظلُ مشروطة بعدة حقائقَ موضوعيةٍ وذاتيةٍ، ولذلك أثارت العديد من ردات الفعل السلبية داخل الأوساط الاستشراقية وحتى العربيةَ. 
2- محمد أركون: من أجل تحرير المعنى من الإكراهات التاريخية 
- يختلف نقدُ المثقفين العرب للظاهرة الاستشراقية باختلاف المواضيعِ، فهم أشدُ حساسيةً من المسائلِ التي تَمس العقيدةَ أو سيرةَ النبي والحديثَ والوحيَ . ولذلك يهاجمون بشكل خاص "غولدزيهر" و"شاخت". وفي حين يؤمن المسلمون إيمانا مطلقا بمصدر القرآنِ الإلهي، فإن المستشرقين لا يقرّون بهذا التصورِ فيقسّمون المصادرَ إلى داخلية وخارجية. يقول "غولدزيهر":" الرسول خلال النصفِ الأولِ من حياته اضطرته مشاغلُه إلى الاتصال بأوساطٍ استقى منها أفكارا أخذ يجترّها في قرارة نفسه وهو منطو في تأملاتِه أثناءَ عزلتِه"[19]. ويضيف "تبشيرُ النبيِ العربيِ ليس إلا مزيجا منتخبا من معارفَ وآراءٍ دينيّةٍ بفضل اتصاله بالعناصرِ اليهوديةِ والمسيحية التي تأثر بها تأثّرا عميقا...صار يعتبر هذه التعاليمَ وحيا إلهيا."[20]
- أما "ريجيس بلاشير"فقد أكد على أن تشابُهَ القصصِ القرآني مع القصص اليهودي المسيحي يعزز بشريّةَ القرآنِ وتأثّره بالعواملِ الخارجيّة. ومن ثم إنكارُ إمكانِ قيامِ تاريخٍ خاص بالإسلام. فلم يقع التفكيرُ فيه إلا باعتباره امتدادا للتاريخين اليهودي أو المسيحي بالبحث "في السوابقِ التوراتية لخطاب القرآن الكتابي" (أنجيليكا نُويفرت).
- المسلمون: كانت المطالبةُ بضرورة التخلي عن كلِ تنسيبٍ مؤرخنٍ للأحكام (=للأوامر والنواهي) الشرعية، والتوكيد على الطابع المتعالي للقرآن باعتباره خاصية مميزة للإسلام.
- لكن موقفَ المستشرقين يخفي انزعاجا من النقد، مما يدل على "تمسكهِم بالموقعِ المهيمنِ الذي كانوا قد احتلوه بالفعل ضمن سياجِ السيطرةِ الاستعمارية"[21]. ويدلُّ كلُ من موقف المسلمين والمستشرقين عن انزياح البحثِ عن الهموم المعرفية إلى فضاء الصراعاتِ الايديولوجية وفي ذلك تضييع للحقيقة التاريخية وهدر للجهد لصالح الخصومات السياسية العابرة والمواقفِ العنصرية المغرضة. إذ يرى محمد أركون أن " الحوارَ  الحقيقيَ والجذريَ الذي ينبغي أن يدورَ حولَ الأسئلةِ الكبرى والحاسمةِ للدلالة الدينية للإسلام والتاريخية، ولوظائفه وطريقة اشتغاله في المجتمع قد زوّر وزيّف، ثم أجّل من جديد بسبب التناقضات المؤقتة والخصومات السياسية العابرة."[22].
- يدعو أركون إلى ضرورةِ "تحريرِ النقاش  والحوارِ بين الإسلام  والغرب من ثقل وضغطِ التصوّرات العتيقة التي كانت قد كونت المخيالَ الجماعيَ لكلا الطرفين منذ عدة قرون... وتجاوزِ المستوى الدوني والزائل والعابر للصراع والتوصّل أخيرا إلى المستوى المعرفي العميق الذي يكمن وراءَه. إذ كان هذا الخلطُ لا يزال مستمرا في تغذية الايديولوجيات الشديدة التجييش والتحريك، فإن ذلك عائدٌ إلى أن النفوسَ  لا تزال سجينةَ نظامٍ معينٍ من الإيمان أو اللاإيمان يغلّب فكرةَ الإيمانِ بالغيب على اليقين الناتج عن التجربة المباشرة والمحسوسةِ"[23].
- وهكذا كانت "الدوافعُ العاطفيةُ أو الايديولوجيةُ الاستشراقيةُ" تتغلب على المشروعِ الثقافي الضخم الذي ينبغي إنجازُه، وهو ضرورةُ توظيفِ المعارفِ العلمية في قراءة الثقافة الإسلامية وفهمِها فهما ابتكاريا أصيلا.[24]
- التعسف في تطبيق الراديكالي للنقد الفللوجي والتاريخاني والوضعانية (سرد الوقائع بشكل جاف) مما يستدعي مجهوداتٍ كبيرةً من أجل إعادة صلة الإسلام الروحية. فالمستشرقون يواجهون المسلمات والفرضيات الإسلاميّة باليقين العلموي ( (scientiste لكنهم يرفضون فتحَ مناقشةٍ ابستمولوجيّة بخصوص ممارستهم ومناهجهم العلمية بالذات.
فالمستشرق يكتفي بملاحظة الظاهراتِ ملاحظةً خارجيةً ثم يقوم بعزلها عن منابتها الجماعية وعن تصورات الفاعلين التاريخيين وعن تمثلاتهم للحقائق أو للمعتقدات السائدة. فبرنارد لويس مثلا "لا يذهب بعيدا إذ يظل في فكر المراقِب والمشاهِد لمسرح اجتماعي تاريخي يمتنع من دخوله لكي يشاطر أهلَه الصعوباتِ والمسؤوليات والإكراهات والصراعات والآمال والانفعالات التي يعيشونها...إنه يرفض مشاركتَهم قدرَهم ومصيرَهم الجماعيِ-التاريخي"[25].
-  يظل الخطابُ الاستشراقيُ  منقوصا، ومن هنا تأتي ضرورةُ إعادةِ تركيبِ حقيقةِ الماضي ووصلِها بالتصورات والتمثلات المخيالية وإضفاء ديناميةٍ عليها تخلصها من جمودها الوضعاني. فلا بد من تفكيك التراث مع مراعاة الواقع الحقيقي إذ لم يقع التفكيرُ بنموذج العمل التاريخي (الإسلامي) الذي يصبح غيرَ فعال ويفقد حيويّتَه وأهليّتَه، كما يقعُ اختزالُ الحقيقةِ التاريخيةِ إلى مجرّد جرد للوقائع والتسلسل الزمني.
ومن عيوب المنهجيةِ الفللوجيةِ الحريصة على رد كل شيء إلى "أصل" سابق أنها تنتقي الوقائعَ الممكن السيطرة عليها مهملةً بذلك نزعاتِ المخيالِ الجمعي وآمالٍ الفاعلين التاريخيين، وتطمح إلى تحديد تاريخٍ زمني دقيق لها، مشكلةٍ بذلك "حقيقةٍ تاريخية" عقلانويةٍ مقطوعةٍ عن الحقيقة المعيشة من قبل الفاعلين الاجتماعيين. فهي تستبعد التحريفاتِ والتصوراتِ الخياليةَ التي ينسجها المخيالُ الاجتماعيُ، فتقصي المضامينَ الحقيقيةَ لكل وجود اجتماعي –تاريخي كما تُفقر آلياتِ إنتاجَه. والسؤالُ المطروحُ هنا هو كيف يمكن لنا أن نكشف عن الآلياتِ الخفيةِ التي تدفع بالفاعلين أو البشر إلى أن يحرفوا ويؤسطروا  وينكروا بأنفسهم الشروطَ الحقيقيةَ لوجودهم؟ وكيف يمكن لكتابة المؤرخ أن تدمج التصوراتِ التي تشكلُها كلُ جماعةٍ بشرية أو طائفة عن ماضيها وتعتبرها جزءا لا يتجزء من الحقيقة التاريخية؟
==وهكذا تحول المنهجيةُ الاستشراقيةُ، التي تبالغ في البحث عن ثوابتَ تاريخيةٍ، دون إمكانيةِ القبضِ على الآليات الاجتماعية والنفسية والثقافية التي سمحت بتدخل التصوراتِ المخياليةِ في تقنيع الواقعِ وإخفاءِ وجهِهِ الحقيقيِ. كما يساهم المستشرقون في حرمان الفكرِ العربيِ أو الإسلامي المعاصر من الوسائلِ المنهجيةِ الحديثةِ التي تمكّنه من استعادةِ التصوّراتٍ القديمةِ التي خلّفها الماضي وتفكيكِها والوقوف على آليات اشتغالها العميقة.
- وبالرغم من سلبيات الاستشراق فإن السؤالَ الذي يظل مطروحا هو كيف يمكن تطبيقُ مكتسباتِ العلوم الإنسانية بنجاح على تراثنا لا باعتبارها نوعا من التبعية للغرب وإنما بصفتها نوعا من المشاركة في البحث العلمي المعاصر من خلال وضع هذه المنهجيات على محك ثقافتِنا وتراثِنا"[26].

2- الاستشراق والاستشراق معكوسا 
- لا يعني نقدُ المستشرقين غيابَ بعضِ الأبحاثِ الجادةِ التي يمكنُ "الإفادةُ [منها] وبالأخص تلك التي نلمسُ فيها تحررا من ضغط الايديولوجيةِ الكنسيّةِ الاستعماريةِ ويغلب عليها الطابعُ العلميُ المجرّدُ من الأهواءِ والأحكامِ المسبقةِ."[27]  بالإضافة إلى وجودِ بعضِ الأصوات التي تنادي بتحرير النقاشِ من رؤية التمركز (من الطرفين) إذ تقول الباحثةُ الألمانيةُ "أنجيليكا نُويفرت"  بخصوص القرآن "فحيثما تَعتبر النظرةُ الغربيةُ القرآن "تزييفا لتقليد عقدي أصيل صحيح" أو مجردَ محاكاة وإدبار أو حتى سقوطا خارجَ التاريخِ نجد في الشرق الأوسطِ نظرةً مصطنعةَ لا تقل اتصافا بـالنزعة الجوهرانية"[28].
ويساهم تفكيكُ دلالةِ مفهومِ الاستشراق في تبين بعضِ ملامحِه الإيجابيِة. ومن ذلك  قول عبد الكبير الخطيبي:"بالمعنى النبيلِ للكلمةِ فإن المستشرقَ هو ذلك الذي يسهرُ على فجر الفكر"[29]. كما أن مصطلحَ الاستشراقِ في ذاته لم يعد يتمتع بالحظوةِ القديمة، فالمتخصّصون يفضلون استخدامَ مصطلحِ الدراساتِ الشرقيّةِ، أو مصطلحِ دراساتِ المناطقِ كالدراسات الصينية واليابانية والهندية والفارسية والأفريقية
 - رغم القواسمِ المشتركةِ بين مختلف الخطابات الاستشراقية، ورغم أنها تدافع عن المنهجية الغربية وتدعو إلى تطبيقها على التراث الإسلامي، فإنه لا يمكننا أن نهمِلَ الفروقاتِ بينها[30].  إذ نلاحظ أن"منهجية رودنسون ذات تلوين اجتماعي- ماركسي أكثر من منهجية برنارد لويس التي يبدو أنها تنتمي إلى منهجية تاريخ الأفكار التقليدي...(فيلولوجية- تاريخية كلاسيكية لا تعنى كثيرا بالمشروطية الاجتماعية-الاقتصادية للموضوع المدروس، وإنما تدرسه كأنها أفكار ذاتِ كيان مستقل بذاته). وكذلك منهجية كلود كاهن، فهي تولي أهميّة للعوامل الاجتماعية والاقتصادية أكثر من منهجية فرانسيسكو غابرييلي"[31]
=وهكذا نلاحظ وجودَ هامشٍ من الحرية في تطبيق المنهجيات، مع الأخذ بعين الاعتبار الفرق بين أجيال المستشرقين من جهة تطبيقاتِ مفاهيمِ العلوم الإنسانية إلى درجة تسمح بالحديث عن ظهور جيل جديد من المستشرقين الجدد يميل إلى استخدام أحدث مناهج العلوم الإنسانية ومصطلحاتها، من أمثال "آلان روسيّون" والباحثة الألمانية" أنجيليكا نويفرت" و" جوزيف فان آس"[32] على عكس جيل غابرييلي أو كلود كاهين أو برنارد لويس أو جيل الشيوخ.
- كما أن المواقفَ من التراث العربي الإسلامي غيرُ منسجمة أو موحدة لأنّ الغرب ليس كتلة واحدة بقدرما هو مشكل من عدة تيارات وحساسيات، أي أن موقفه من الإسلام ليس واحدا ، كما أن مواقف المثقفين العرب من الظاهرة الاستشراقية و خطاباتهم ليس كتلة واحدة منسجمة.
- كما لا يفوتنا أن نلاحظَ أنّ ايديولوجيا الغالبِ تفرض نفسَها بقوة الأشياء على المغلوب. أو بعبارات أوضح إن تصورات الحضارة السائدة (الكتلة التاريخية السائدة) هي السائدة قياسا على قول ماركس:" إن أفكار الطبقة السائدة هي السائدة". بشهادة فرانسيسكو غابرييلي: "إذا كانوا يحلِمون بجعل الغربِ ينظر إلى الشرق بعيون شرقية وعقلية شرقية فإنهم يطلِبون المستحيلَ."[33]  ثم يضيف "و من أغرب العجائب أن يطلبِوا من الغرب التراجعَ عن مفاهيمِه وتصوّراتِه ومنهجياته عندما يدرسُ حضاراتِ الشرقِ لمجرّد إرضاء الشرق". لكن في الحقيقة ما يرفضه الشرقيون هو التطبيق الآلي أو الميكانيكي لتلك المنهجيات لا مسلماتها الابستيمية.
- وتدور أغلبُ آراءِ المستشرقين في ردّهم على معارضيهم حول تثمين مجهوداتهم مقابل إدانة المواقف المعارضة، خاصة أن العرب لم يقوموا بثورتهم المنهجية، ولم يطّلعوا بالشكل الكافي على الثورة  المنهجية والابستمولوجية التي حصلت في الغرب مما يجعلهم "قاصرين" على تحمل المسؤولية المعرفية إزاء تراثهم الضخم.
- وذلك لعدّة أسباب منها إفراطُهم في النزعة التبجيلية وعدم قدرتِهم على اتخاذ مسافة بينهم وبين أنفسهم عندما يدرسون موضوعا يخص تراثَهم أو دينَهم أو حاضرَهم فضلا عن انعدام الحس التاريخي لديهم . ولذلك يرى كلود كاهن أن"بعضَ هذه الخلافاتِ يعود إلى تعلقِ بعض المسلمين بالمناهج القديمة لثقافتهم"[34].  ثم يضيف:"إننا نقدم لدراسةِ كلِ واحد من هذه الشعوب حسا تاريخيا عاما لا يستطيع الشرقيون أن يمتلكوا ما يوازيه ما داموا عاجزين عن توليد علماء "الاستغراب".[35]
- وينظر المستشرقون إلى الظاهرةِ على أنها جزءٌ من تطور الثقافة الأوروبية، فقد اعتبر"فرانسيسكو غابرييلي" الاستشراق جزءا لا يسهل التفريطُ فيه من المكوّن الثقافي الأوروبي. فقد"شهد الاستشراق بالإضافة إلى هذا التطور الداخلي المرتبط بتطور الفكر التاريخي والفلسفي والديني للغرب تطورا خارجيا ناتجا عن نموه الخاص بالذات"[36]. فاعتبر في البداية علما واحدا ثم سرعان ما انقسم إلى فروع وتخصصات مستقلة بعضها عن بعض ومتعلقة بمختلف الحضارات (الشرق الإفريقي، أو الآسيوي والصيني والهندي والدراسات الإيرانية والتركية والعالم السامي والدراسات المصرية القديمة.) و من هنا يمكن القول إن التسمية القديمة (الاستشراق) قد زالت.
- ويميّز مكسيم رودنسون بوجود مرحلتين من الاستشراق هما:  الاستشراق التقليدي والاستشراق الحديث. وتتميز المرحلة الأولى بالتواضع المنهجي، والإلحاح على ضرورة أن تسبق الدراسة الوصفية إطلاق الأحكام، فضلا عن المسح التاريخي الضخم، وهو عمل جماعي( موقف معرفي وضعي).
- أما برنارد لويس فينظر إلى المسألة من زاوية ابستمولوجية وينتهي إلى وجود مشكلة ابستمولوجية تكمن في معرفة إلى أي مدى يمكن لعلماء مجتمع ما أن يدرسوا ويفسروا نتاج مجتمع آخر؟
==هذا دليل على وعي المستشرقين بالسلبيات الناشئة عن المبالغة في تطبيق المنهجية الفللوجية والنقد التاريخي أو نزعة التورخة، أو عدم كفاية ذلك ومن ثم ضرورة الانفتاح على مناهج العلوم الإنسانية الحديثة وهذا ما يحرص عليه جيلُ المستشرقين الجدد.
=فقد سعى "آلان روسيّون" إلى معرفة نوعية العلاقة بين المعارف الاستشراقية الخارجية المتمركزة على المجتمعات الشرقية، والساحة الثقافية  العربية نفسها. والعلاقة التي تتعاطاها المعرفة المحلية مع "الثقافة الاستشراقية". ( أنور عبد الملك وإدوارد سعيد) - واستنتج "روسيّون" أن رفض نظرة "الآخر" يشكل قطب المناقشة الدائرة. وذلك علامة على فشل المستشرقين المتكرر على فهم الحقيقة الشرقية. بيد أن تغيير نظرة الغرب للشرق، في نظره، تظل رهينة تغير الشرق ذاته لكي يصبح عصيا عن الهيمنة.
- وترى "أنجيليكا نويفرت" "أن القرآن قرئ في أوروبا بوصفه نصا صار بعد إسلاميا، بوصفه نصا أجنبيا". وهي تلج على ضرورة دراسة القرآن في أوروبا باعتباره نصا أوروبيا، أي دراسة البعد الكوني للقرآن.[37]
- تنادي بدحض النظرةِ الساذجة القائلة إن القرآنَ محاكاةٌ للكتابات التوراتيةِ. أما منهجيا فتقول بضرورة التخلص من المنهجية التاريخانية لتبين القرآن في تناصه. فتقول:" ينبغي لنا محقين فعلا ألا نواصل التركيز -كما يقتضي ذلك المنظور التاريخاني-على المصادر والأخذ والتأثيرات بل إن التركيز ينبغي أن يكون بالأولى على التواليف القرآنية الجديدة وإستراتيجيات التملك الاستيعابي والدحض ومن ثم على استعادة تلك السجالات التي تلح على إعادة النظر في صورتنا عن بدايات أوروبا في العصرين القديم والقديم المتأخر"[38].
- ومن وجهة نظرها ترى أن الجدل بين الشرق والغرب توجهه حواجز تأويلية "ففي حين يتهم الباحثون الغربيون الباحثين المسلمين بالسذاجة في مجال العقائد اللاهوتية يعتبر الباحثون المسلمون زملاءهم الغربيين خصاميين ومباهين بنتائج علمهم من دون صلة الفهم المتعاطف الضرورية مع الإسلام".
فالمستشرقون لا يتقاسمون وجهةَ النظر نفسَها، ولا ينظرون إلى الشرق من خلال رؤية منسجمة، فاختلفت رؤاهم وتصوراتهم بحسب اختلاف قدراتهم ومؤهلاتهم ومنهجياتهم.
خاتمـة: ماذا بقي من الاستشراق؟
الاستشراق ظاهرة تاريخية وثقافية تخضع لمقتضى تطوراتها الداخلية فضلا عن إكراهات السياقات الخارجية. ولئن اجتهد الاستشراق في فرض سلطان المركزية الأوروبية  وتفوق الثقافة الغربية فإنّ مصير إرادة الهيمنة يظل مرتهنا بحدود تمكّن المثقفين العرب من مناهج العلوم الإنسانية وانفتاحهم على مفاهيمها. والتحرّر من المنهجيات التقليدية في دراسة الظواهر واتخاذ مسافة نقدية عند دراسة الذات والتحلّي بالحس التاريخي، ومن ثم التخلص من القراءة التبجيلية وممارسة النقد الذاتي، وتحمل أعباء تراثهم وحاضرهم بأنفسهم. فهل يجوز الحديث عن مرحلة ما بعد الاستشراق؟.  



[1] - إدوارد سعيد، الاستشراق، المفاهيم الغربيّة للشرق، ترجمة محمد عنابي، ط1 دار رؤية للنشر والتوزيع2006 ص46

[2] -Catherine –Kerbrat- Orecchioni, La connotation, PUL,1977,p226

[3] - إدوار سعيد، م، ن، 49

[4] - بول ريكور (P.Ricœur) نظرية التأويل، الخطاب وفائض المعنى، ترجمة سعيد الغانمي، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 2003 ص45

[5] - محمد خطابي، لسانيات النص، مدخل إلى انسجام الخطاب، ط1، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1991ص28

[6] - Fairclough, Discourse and social change, Cambridge, Polity Press,1992,p16

[7] - Pierre Bourdieu, Ce que parler veut dire, L’économie de  s échanges linguistiques, Fayard,1982,p13

[8] - م، ن، 53

[9] - ميشيل فوكو، نظام الخطاب، ترجمة محمد سبيلا، ص 4

[10] - م، ن، 5

[11] - ميشيل فوكو، حفريات المعرفة، ترجمة سالم يفوت، ط2، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 1987ص25

[12] - م، ن، 44

[13] - إدوارد سعيد، م، ن، 110

[14] - م، ن، 69                                                                                                                        

- م، ن، 70-71[15]

[16] - م، ن ،72

[17] - م، ن، 52

- نيتشه، العلم الجذل، ترجمة سعاد حرب، دار المنتخب ص109[18]

[19] - غولدزيهر، العقيدة والشريعة في الإسلام، ترجمة محمد يوسف موسى وآخرين، دار الرائد العربي، بيروت ص7

[20] - م، ن، 12

- محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، ط1، مركز الإنماء القومي، بيروت، 1998 ص248[21]

- محمد أركون، م، ن، 249[22]

- م، ن 249[23]

 - م ، ن، 250[24]

[25] - محمد أركون، م، ن، 253

 -[26] م، ن، 255                                                                     

[27] - التهامي نقرة، "القرآن والمستشرقون" ص 22

    - أنجيليكا نويفرت، " أن نعلم القرآن في أوروبا كنص أوروبي" مقال مخطوط، ترجمه الدكتور أبو يعرب المرزوقي. [28]

[29] - عبد الكبير الخطيبي، المغرب التعددي، باريس 1983 ص117

[30] - هاشم صالح، الاستشراق، 11

- م، ن، 8[31]

- جوزيف فان آس، علم الكلام والمجتمع في القرنين الثاني والثالث للهجرة ، ترجمة سالمة صالح، ط1، منشورات الجمل،بيروت 2008[32]

[33] - هاشم صالح، م، ن، 26

[34] - م، ن، 35

[35] - م، ن، 36

[36] - م، ن، 21

[37] - إبراهيم جيجر ، ما الذي أخذه محمد من اليهودية ؟ بون 1833 (مقال أنجيليكا نويفرت)


- م، ن [38]

 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire